القلوب والعقول.. مستودع الذاكرة التي حفظت للأمة عاداتها وتقاليدها.. وجاء الكمبيوتر والأجهزة الرقمية لتساعد الذاكرة في مهمة حفظ التراث، لكن التكنولوجيا الحديثة خلقت نوعا جديدا من السلوكيات المقلقة، خاصة لدى الشباب؛ ما أثار مخاوف أساتذة التراث الشعبي، والباحثين في مجال الفولكلور، على مصير العادات والتقاليد.
«الحواس الخمس» قام بجولة التقى خلالها أساتذة وباحثي وخبراء التراث للتحقيق في كيفية حفظ التراث وإحيائه في عصر الكمبيوتر، والأجهزة الرقمية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر التكنولوجيا في هويتنا؟ وهل تدفعنا العولمة إلى استبدال عاداتنا وتقاليدنا، بثقافات عالمية؟.
يرصد د.إبراهيم عبد الحافظ أستاذ الأدب الشعبي في أكاديمية الفنون بمصر، اندثار بعض العادات والتقاليد مثل الغناء الديني، خاصة أغاني المداحين والدق على الدفوف، كما اندثر الطب الشعبي والزار، فضلا عن تغير بعض القيم والموروثات الثقافية، غير أن هناك بعض عناصر الفلكلور مازالت تؤدي دورها في الأرياف مثل النقوط والغناء المصاحب للأعياد والمناسبات، وما يرتبط بها من عادات وتقاليد.
وبينما أرجع عبد الحافظ اندثار هذه الموروثات إلى انتشار التعليم وتأثير وسائل الإعلام، شدد في الوقت ذاته على حاجة المجتمعات العربية إلى هذا التراث المحدد لثقافتنا وهويتنا وخصوصيتنا.
الفلكلور يختلف عبر الفترات التاريخية
وتتحدث د.حنان سالم أستاذ علم الاجتماع، عن الفلكلور باعتباره ظاهرة اجتماعية تمثل جزءا أساسيا من ثقافة مجتمع تعكس تفاعلات الحياة وطقوسها، تقول: عندما يتبادر إلى ذهننا الفلكلور نتذكر الرموز الدينية والزواج والاحتفالات وزيارة الأولياء، فالفلكلور يختلف عبر الفترات التاريخية كجزء من ثقافتنا فنحن الآن مرتبطون بأنماطه ومازلنا متمسكين بها، حيث أظهر الزيارات الأسبوعية لضريح الإمام الشافعي أنه أكثر الأئمة من حيث الزيارات التكرارية، خاصة من قِبَل أهالي المناطق الريفية؛ لأن لديهم قناعة واعتقادا راسخا بضرورة اللجوء للإمام الشافعي عند الضيق، وأظهر الرصد أيضا أن الشرائح الأكثر إقبالا هي الفئات العمرية من 40 سنة إلى أعلى.
وعلى جانب آخر كشف تحليل سلوكيات الناس في بعض مناسبات معينة أن لديهم عادات مقتبسة من الثقافة الفرعونية مثل تلوين البيض والاحتفال بشم النسيم وإحياء ذكرى المتوفى يوم الخميس التالي للوفاة، وكذلك إحياء ذكرى الأربعين، مشيرةً إلى أن الشخصية المصرية (أسفنجية) لديها قدرة فائقة على الاستيعاب، فهي شخصية لم يقهرها الاستعمار ولم يستطع تغيير مفردات ثقافتها ولغتها، ولكن الغزو الثقافي الأوروبي جعل العناصر الفلكلورية باهتة ويحاول طمسها ويفقدها مكتسباتها الجمالية؛ مما جعل جوهر الاحتفال موجودا مع اختلاف ممارسته.
ثقافة القاعدة العريضة من المجتمع
ويتفق د. حمزة علام الباحث الاجتماعي مع د.حنان سالم، موضحا أن الكثير من الدراسات التحليلية اتجهت إلى الفلكلور؛ لأنه يرسم خريطة معرفية تقودنا إلى ثقافة القاعدة العريضة من المجتمع، فيما يستمد تراثنا أهميته من كونه مستوحى من الدين، الأمر الذي جعل شعوبنا أكثر تماسكا، كما أنه أحد الروافد المهمة الداعمة للهوية العربية التي أمست لها وضعية خاصة في ظل متدفقات العولمة التي يتكيف معها الفلكلور الشعبي - على استحياء- خاصة مع متطلبات العصر الرقمي الجديد، وذلك على عكس الكثير من الآراء التي ترى تراجعا لدور التراث الشعبي، وذلك لأن العولمة هي القادم الجديد على مجتمعنا العربي والتي تمس الهوية بشكل خطير يهددها، موضحا أن المدقق للنظر قليلا سيجد أن ما يحدث على الساحة الثقافية الكونية هو عبارة عن حالة من التراكم الثقافي الذي تخدشه العولمة دون ممارسة مبدأ الإحلال الثقافي.
هل يمكن أن يجد تراثنا هويته؟
ويشير د.وليد رشاد في أطروحته لنيل درجة الماجستير من جامعة عين شمس، إلى أن العولمة أضافت بعدا افتراضيا للهوية، لكن حمزة تساءل: هل يمكن أن يجد تراثنا هويته في هذه الهوية الافتراضية؟ وهل يلجأ الأفراد إلى تراثهم في تلك الهوية الجديدة أم أنهم ينسلخون عن التراث، ويتبنون قيما وعادات وثقافات عالمية؟ وهل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه الهوية وسيلة فعالة لنقل ثقافتنا المحلية بكل أشكالها من مجتمعنا العربي إلى الهويات المتصارعة في ظل العولمة؟.
يقول: في ضوء التحديات التي تواجه هويتنا ويمثل التراث الشعبي أحد روافدها المهمة، قامت الحكومة المصرية بعدة محاولات من شأنها تقوية التراث والحفاظ عليه، حيث أنشأت وزارة الثقافة أول قاعدة بيانات لجمع وتصنيف وأرشفة التراث في إطار مشروع متكامل لتوثيق التراث والحفاظ على هويتنا القومية أمام هذه المتغيرات، كما نظمت الوزارة العديد من المؤتمرات ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك محاولات فردية لجمع بعض مصادر الفلكلور مثل تلك التي قام بها عبد الرحمن الأبنودي حين جمع السيرة الهلالية.
وأضاف حمزة متسائلا: كيف يمكن أن تستغل كل هذه الوسائل والأدوات المتاحة لتقوية هويتنا لتنفذ إلى باقي الثقافات العالمية؟!، خاصة أن ذلك أمر متاح في عصر العولمة وتكنولوجيا الاتصال، فتراثنا كما هو ولكن الممارسات اختلفت كثيرا، فمثلا تراجع وجود «ندابة» في المأثورات الشعبية ولكن حل محلها إطار آخر له طابعه الخاص، محولا أن يتخذ شرعيته من الدين وهو «النصبة» وهي عبارة عن صوان وشيخ يرتل القرآن كبديل للوجاهة الاجتماعية التي ستقوم بها الندابة، وفي الوقت ذاته يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي، فالفلكلور ما هو إلا نقطة تواصل حضاري من جيل إلى آخر.
هل الموروث الثقافي جيد أم رديء؟
أما صفاء عبد المنعم الباحثة في الأدب الشعبي، عضو جمعية الفلكلور فأوضحت أن الفلكلور هو كل ما أنتجته الجماعة الشعبية من ثقافة، فالفلكلور في الماضي كانت ثقافته متسقة مع طريقة تفكير الجماعة الشعبية؛ لأنها ابنة واقعها الحقيقي فكانت الجماعة الشعبية تنتج وتستهلك هذه الثقافة على مر العصور الممتدة دون النظر إلى الغربلة أو التنقيح أو التحريم أو التعالي عليها؛ لأنها كانت من وإلى الجماعة، ولكن مع تطور التعلم وصعود الطبقة المتوسطة للحكم وتكوين قاعدة عريضة من المتعلمين؛ أصبح هناك سؤال يراود الجميع: هل الموروث الثقافي جيد أم رديء؟.
ويرى أن وسائل الاتصال الحديثة تساهم في تدمير هذه الثقافة بشكل سريع، فعندنا 200 قناة فضائية تبث كل يوم الكثير من المحرمات دون النظر لثقافة كل شعب وخصوصيته وكذلك العولمة التي تريد أن تجعل العالم مستهلكا لثقافة واحدة تقتل الثقافة الشعبية والخصوصية والهوية الثقافية أيضا، والشعب الذي بلا عادات وتقاليد هو شعب بلا هوية ونحن المصريين شعب عريض الثقافة منذ آلاف السنين تعددت الغزوات والغزاة ولكن ظل الشعب المصري متدينا بطبعه ويحب بيته وأسرته. وأضاف معلقا: إحياء الثقافة الشعبية يكون بالعلم والدراسة والدعوة إلى إعمال العقل (التفكير)، وليس الانسياق الأعمى وراء أي متحدث بسهولة والارتباط بثقافتنا واختيار الجيد منها والحقيقة والابتعاد عن الخرافات مهما كانت.
علم الفلكلور
وتقول هالة علي، عضو في مركز توثيق التراث، ان هناك بعض التخصصات والأبحاث الإنسانية التي تهتم بدراسة علم الفلكلور كعامل مهم تابع لثقافة الشعوب وكمرآة لهويتهم وسِجل للتاريخ الشعبي للمجتمعات وعلى الرغم من ذلك، تندثر بعض عناصر الفلكلور، كالأمثال الشعبية التي تحاكي واقعنا الاجتماعي والإنساني، حيث لابد من تداول هذه الأداة التعبيرية كنوع من الثقافة التي لا يمكن نسيانها.
وأضافت: رغم أن الفلكلور كثقافة مادية ملموسة، لكن هناك بعض التغير بسبب التواصل الثقافي، وقد لمسنا ذلك في الأزياء مثلا، وتساءلت في دهشة: في أي زي سأقدم صورة بنت لمصر؟.. وأيضا الألعاب قديما كان فيها نوع من المشاركة، أما الآن فأصبحت متوحدة مع الذات وفيها نوع من العزلة، مشيرة إلى أن الثقافة المادية الملموسة أكثر قابلية للتغيير والنسيان وتحل محلها التكنولوجيا، ولكن في مركز توثيق التراث نسعى إلى إحيائه بطرق شتى، حيث يقوم بعض الإخباريين بجمع وتوثيق التراث الأدبي كالأمثال واللهجات التي أصبحت الآن مصطلحات شبابية.
وأشارت إلى أن التكنولوجيا تلعب الآن دورا إيجابيا في حفظ التراث وتوثيقه وتجميعه من خلال المدونات، وعلى جانب آخر لها أيضا دور سلبي يكمن في محدودية مستوى العلاقات الاجتماعية، فالثقافة المحلية البسيطة في ظل العولمة بدأنا نراها من تحت الميكروسكوب، غير العادات والتقاليد التي بدأت تتلاشى في دورة الحياة والمواليد، فالتراث هو ذاكرة الشعوب وهذه الذاكرة بدأت تمحى.
