واقعهم مؤلم ومرير.. حياتهم مظلمة.. طرقهم مسدودة.. تتغير حياتهم وتتبدل وفقا لنظرة المجتمع لهم، يحاولون جاهدين أن يعيشوا حياة طبيعية وعادية، لكن دائما ما يفشلون في تحقيق هذا، ليس قصورًا منهم، ولكن بسبب قسوة المجتمع ورفضه لهم، والنتيجة دائما هي التمرد والعودة إلى ارتكاب الأخطاء.. هؤلاء هم المساجين الذين أنهوا فترة عقوبتهم، أو بمعنى أدق «أصحاب السوابق»، الذين يروون لنا حكايات مؤلمة.. مؤثرة عن معاناتهم بعد خروجهم من قيد السجن.. والتفاصيل في السطور التالية.

«لماذا تستمر عقوبتهم مدى الحياة، لمجرد أنهم ارتكبوا خطأ واحدا فقط»، هذا هو التساؤل الذي طرحه أيمن أحمد محمد 29 عامًا والذي قال: كنت أعمل سائقًا على إحدى سيارات الأجرة، لكنها ليست ملكي، بل يملكها شخص آخر، كنت أبذل قصارى جهدي طوال اليوم وأترك زوجتي وطفلي الصغير من أجل الحصول على جنيهات قليلة بنهاية اليوم، ويوما بعد آخر تعثرت حياتي وتزايدت متطلبات أسرتي وعائلتي، بعد رفض صاحب السيارة زيادة أجري اليومي.

السجن الأكبر

وأضاف قائلا: بعد عدة أيام صادفت أحد السائقين، والذي أقنعني ببيع المخدرات باعتبار أن عائدها سيحل لي كل مشكلاتي، لم أقتنع في البداية، لكنه كرر محاولته معي مرة أخرى، وطلب مني أن أجرب فقط، فقمت ببيع القليل من المخدرات إلى بعض الأشخاص الذين عرفني هو عليهم، ويوما تلو الآخر كانت الأموال معي تزداد، وقمت بتسديد كل ديوني، وشجعني ذلك على القيام ببيع كميات أكبر من المخدرات، حتى تم القبض عليّ، وتم حبسي، وواجهت صعوبات كثيرة في محبسي؛ لذلك قررت ألا أعود لبيع المخدرات مرة أخرى، خاصة بعد أن خسرت زوجتي التي طلبت مني الطلاق بعد دخولي السجن بأشهر قليلة.

ويواصل أيمن: بعد أن أنهيت فترة عقوبتي وخرجت إلى الحياة مرة أخرى وجدتها سجنا أكبر، الجميع ينفرني ويعاملني بصفتي مجرما وليس إنسانا، حاولت أن أعود إلى وظيفتي كسائق، لكن صاحب السيارة منعني، حاولت الالتحاق بوظائف أخرى، لكن عندما يطَّلعون على أوراقي ويجدونني تاجر مخدرات يتم رفضي في الحال، حتى زوجتي حاولت الرجوع إليها لكنها رفضت أيضا، وكانت تعاملني بصفتي مسجونا، أهلي وأقاربي وجيراني وأصدقائي وإخوتي، الجميع أصبحوا يبتعدون عني، وما إن طلبت مساعدة من أحدهم حتى وجدتهم يديرون وجههم عني. وتساءل في غضب: ماذا سأفعل وكيف سأعيش.. ربما أكون قد أخطأت، ولكنني تبت إلى الله لكي يعفو عني، فلماذا لم يعفُ المجتمع، ولماذا تستمر عقوبتي مدى الحياة لمجرد خطأ واحد قد اقترفته في حياتي؟!

ضائع ومفكك

أما عادل سيد فيقول: بعد أن قمت بسرقة مبلغ من المال من خزانة الشركة التي كنت أعمل بها لأسدد ديوني، تم على الفور القبض عليّ وإثبات التهمة، وقضيت مدة عقوبتي كاملة دخل جدران السجن، وعندما خرجت منه حاولت البحث عن وظيفة، لكن الجميع رفضني، رغم مؤهلي العالي وخبراتي السابقة، فلم يشاهدوا أمامهم سوى سابقتي بالسرقة.

ويواصل: عملت في إحدى ورش السيارات، وكنت أربح القليل جدا، حاولت أن أعود إلى خطيبتي، لكنني وجدتها تزوجت من شخص آخر، حتى إخوتي عندما أتصل على هواتفهم لا يجيبون إطلاقًا، وعندما أذهب لمقابلتهم يتهربون من مقابلتي. ويضيف باكيًا: أنا إنسان سوي، ولكن تعثري المادي هو ما أرغمني على السرقة، وليس سوء أخلاقي، فلماذا يعاقبني المجتمع بهذه القسوة ويسلب مني كل شيء؟!، فأنا الآن أشعر بأنني ضائع ومفكك.

تمرد

قصة أخرى يرويها فتحي سعيد، فيقول: بعد أن أنهيت عقوبتي وخرجت إلى الحياة وجدت كل شيء قد تبدل من حولي وتغير وأصبح أشد قسوة، حتى اسمي أصبح الآن «فتحي معارك»، لمجرد أن قمت بضرب أحد زملائي في الشركة التي كنت أعمل بها فأصيب بعاهة مستديمة، بعد أن تطاول عليّ بالألفاظ الجارحة أثناء شجار بيننا في العمل، وتم إثبات التهمة عليّ وترحيلي إلى السجن فورًا، ولكن رغم خروجي الآن من السجن أشعر بأنني لا أزال سجينا؛ لأنني وجدت الحياة أكثر قسوة، وعرفت معنى الوحدة، رغم أن ابني وإخوتي وأصدقائي على قيد الحياة، لكنهم رفضوا معرفتي تماما، وتنحوا جانبًا بعيدًا عن معرفتي، خسرت عملي وخسرت كل شيء، ولكن إذا كان المجتمع بهذه القسوة فكيف يطالبنا بالانضباط؟!، وإذا كانت كل الوظائف تهرب من بين يدي فكيف سأعيش؟!، وأضاف يائسًا: «أنا لا أريد العودة مرة أخرى إلى السجن ولا ارتكاب المزيد من الأخطاء، لكن الحياة أصبحت قاسية».

إلى هنا يؤكد د.عبد الله سعيد أستاذ علم الاجتماع قائلا: من الأهمية إعادة تأهيل المجرمين ومعالجتهم بهدف انطلاقهم مرة أخرى إلى الحياة، وممارسة حياتهم بشكل طبيعي وهادف، من خلال إخضاعهم لبرامج التأهيل ودراسة العلاقة بين السمات البيولوجية والسلوك الإجرامي والدوافع، فبعد ذلك يمكنهم أن يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي، ولا يوجد داعٍ بأن يقف المجتمع بنظرته الحادة أمام هؤلاء؛ لأن هذا من شأنه أن يعيدهم مرة أخرى إلى السلوك الإجرامي، تمردًا على قسوة المجتمع، ولا يجب معاقبة المذنب طوال حياته على أخطائه؛ إذ عقوبته داخل السجن وبرامج تأهيله كافية بالدرجة المطلوبة، ولكن هناك القليل من المساجين الذين لا يستجيبون لسبل التأهيل والعقاب، وتكون دوافعهم لارتكاب الجرائم نابعة من خلل سلوكي، وليس خللا اجتماعيًا.

ميدان الجريمة

أما د.سميحة نصر أستاذ علم الجريمة فتقول: إن ميدان الجريمة يعد محورًا مهمًا وخطيرًا من ميادين الخدمة الاجتماعية، فهؤلاء المجرمون تكونت لديهم تجارب سلبية إجرامية جعلت منهم نماذج غير سوية وغير طبيعية.. وتضيف: السؤال هنا هو لماذا يرتكب المجرم أفعالا غير سوية ضد نفسه والمجتمع؟؛ لأنه يتصرف وفقا لظروفه الاجتماعية والدينية والاقتصادية؛ لذلك يخضع المجرم للعديد من العمليات والقواعد لضبطه وتأهيله، وذلك عن طريق إيداعه في مؤسسات إعادة التربية -هذا إذا تمت إدانته- ، ومن ثم إدماجه في المجتمع من جديد بشكل طبيعي، ولهذه المؤسسات دور بالغ الأهمية؛ لأنهم يقدمون يد العون للمنحرفين والمجرمين، حتى يتم تأهيلهم ويستعيدوا تكيفهم مع الحياة الاجتماعية، حيث تراعي هذه المؤسسات الجانب الإنساني والاجتماعي والأخلاقي الهادف إلى التأهيل المهني والمجتمعي والديني والنفسي والاقتصادي، وكل الجوانب الأخرى..