في تعاملاتنا الحياتية وعلاقاتنا الاجتماعية خليط من السلوكيات المتنوعة، منها إبداء المجاملات التي يعتبرها البعض وسيلة في كسب الآخر إلى صفه من خلال إبداء كلمات جميلة مُغلفة بشرائط مُنمقة وجذابة، بينمـا يرى البعض الآخر أن المجامل يرتدي لباس النـفاق والكذب، لأنه يستخدم معسول الكلام لتحقيق مآرب شخصية والوصول لأهداف معينة.

المجاملة في حد ذاتها تعتبر فنا وثقافة يجب الإلمام بهـا بطريقة لا تزعج الآخرين، خصوصا أولئك الذين يفضلون الصدق والصراحة في التعامل بعيدا عن الكلمات الوردية المحاطة بأشواك غير مرئية. (الحواس الخمس) ناقش هذا الموضوع مع مجموعة من الشــباب الذين تراوحت آراؤهم في سياق السطور التالية:

 

مجاملة بحدود

يُفضل الإعلامي أحمد الشيراوي التعامل مع الناس بصراحة ووضوح، ويضطر على حد قوله، إلى مجاملة بعض أصدقائه، ولكن في بعض الأحيــان. موضحــا أنه مع هذا تبقى المجاملة أمرا ضروريا لسير الحياة الاجتماعية، ولكن يجب الانتباه بأنه يجب إيقافها والتقليل منها عندما يحتاج الموقف إلى آراء صادقة أو إلى تحديد رأي معين أو اتخاذ قرار إزاء موقف ما.

 

المُجاملة كالابتـــسامة

الفنان الإماراتي الشاب عبدالله الحريبي يقول: إن مجاملة الناس أمرٌ ضروري، ولا أبالغ إن قُلت إنها تُعد أيضا من أساسيات التعامل بين البشر فهي تنم عن الذوق في طريقة التعامل. مضيفا: بالنسبة لي فإن المُجاملة كالابتسامة، فهي أقصر طريق للدخول إلى قلوب الناس.

كما أن المُسايرة تعد وسيلة لطيفة في التعامل خاصة وسط ضغوطات الحياة التي تدفع الناس إلى التلاقي بهدف التخفيف عن بعضهم البعض.. في حين لا يجد الحريبي أن المجاملة تعتبر نوعا من أنواع النفاق، لأنه لا بأس أبدا من المجاملات المسموحة وفي حدود معينة، وضمن إطار الأدب والذوق.

 

وجهة نظر

ويـرى طارق الطاهري، موظف أن المجاملة سلوكٌ يتّبعه الإنسان لغاية اجتماعية القصد منها التودد والتقرب وإظهار الألفة أحياناً، وقد تكون الغاية منها أحياناً بعث العزاء في نفس الآخر الذي يشعر بالنقص أو الحرج من شيء ما، مُضيفــا:

عُمومـا، كثرت في هذه الأيام المجاملات بين الناس في الحياة الاجتماعية وهي موجودة أيضا بين محيط العمل وخارجه حتى إنها استقرت داخل الأسرة الواحدة، ومن جانب آخر يُوضح الطاهري أن البعض يتهم الشخص المجامل بأنه صاحب وجهين، فيم يرى البعض الآخر أن الأمر لا يعدو كونه مجاملة اجتماعية تسهم في خلق جو من الفرح لدى الجميع حال لقائهم ببعض البعض.

كما يردف الطاهري أن المجاملة تبقى جميلة بنظر الجميع حين يقع أحدهم في محنة أو مشكلة ما لاسيما المادية منهـا، ويحتاج إلى من يمد له يد المساعدة, حينها فقط سيكتشف حتما أن المجاملة الخلاقة هي أكبر كذبة في الوجود, فيبدأ في مهمة البحث عن الأشخاص الواضحين الذين لا يعرفون طريق (اللف والدوران) فقط لأنهم الأصدق في التعامل.

 

ميزان المجاملة والنفاق

كمــا يبدي سعيد السويدي، موظف، رأيه حول هذا الموضوع موضحا: أُجامل الناس ولكن بنسبة خفيفة، وهذا بالنسبة للأشخاص الذين لا تربطني بهم علاقة وطيدة. أما الأصدقاء والمقربين منـي فلا أعطيهم أهمية، مُتسائلا:

لماذا لا نعيش حياة تكون فيها الصراحة هي أساس لُغتنا، فالناس وللأسف الشديد يجاملون وينافقون بعضهم و هم يعلمون, ومع ذلك يشعرون بالسعادة بذلك.

وإذا واجهتهم بالحقيقة كرهوك وأحبوا من ينافقهم! مُضيفا: الغالبية منا أيضا يعتبرون المجاملة فنا راقيا، ولكن واقع الحال يقول إنه حيثما تنتهي المجاملة يبدأ النفاق! وربما يخالفني الناس ولكن هذه هي الحقيقة التي يجب التصريح بهـا.

 

فن ووسيلة

يضع الإعلامي طلال الهنداسي طريقة معينة في تعامله مع الناس، وعلى حد قوله: «أتعامل بدبلومــاسية»، موضحا: اضطر لمجاملة الناس ولو كان هذا على حساب نفسي، فالمجاملة تُعتبر أمرا محمودا ومطلوبة أيضاً فنحن نحتاج من المجاملة بالقدر الذي يكفي فقط لإظهار تقديرنا واحترامنا للآخرين ولا شيء آخر، مضيفا:

بمعنــى أننا جميعا ندرك مدى أهمية المجاملة بل نعتبرها جزءا مهما في حياتنا عند التعامل مع الآخرين لكن يجب أن تكون بحدود معينة لا تضر الشخص المقصود.

ومن جانب آخر يؤكد الهنداســـي في قوله إن احتياجنا للمجاملة كفن ووسيلة مرغوبة في التعامل لمن يحسن إدارتها إلا أننا نجد أحياناً من لا يجيد التعامل بها وإن جامل أفرط فأضر لدرجة الإخلال بأسس لا تقوم إلا بالصراحة فتؤثر على المجامل أو المجامل له.

 

مجاملة وكذب ومــآرب أخرى

«من الجميل جداً أن تجامل غيرك، فـالحياة عندما تكون خالية من المجاملات تصبح كئيبة وجافة»؛ بهذه الكلمات بدأ عدنـــان علي الجسمي، موظف، تعليقه على هذا الموضوع المطروح.. قائلا:

تعتبر المجاملة حالة إيجابية في حياتنا الاجتماعية إذا كان هدفها تقريب القلوب وتلطيف العلاقات الإنسانية، ولكن قد نحكم عليها في نفس الوقت بالسلبية عندما تبنى العلاقة بكاملها على المجاملات، أو عندما تصبح المجاملة سلوكاً يومياً مستمراً في كل المواقف والظروف.

مؤكدا أنه من السيئ جدا أن تتحول حياتنا الاجتماعية بأكملها إلى سلسلة من المجاملات التي ينخر في الكذب وربما النفاق وصولا إلى تحقيق مآرب معينة لدى بعض النفوس! ولا ينسى الجسمي في نهاية حديثه أن يقول: ليس كل من تفوه بكلمة حلوة أصبح مجاملاً, وليس كل من قال غير الحقيقة أصبح كاذبا.

 

المجاملة فــي حدود

وتشير نجلاء مبارك، موظفة، إلى أنه في الوقت الحالي كثير من الناس اتخذوا المجاملة أمرا أساسيا في تعاملهم مع النــاس، وربما بشكل أَعم وسيلة يستفيدون منها ويتفننون في تطوير أساليب المجاملة لديهم، وذلك كله لمصلحتهم الخاصة لا أكثر وليس لمصلحة المُججامَل! مُضيفة: كما أن استخدام المجاملة قد يكون أحيانا دليل الخبث.

ويستخدمها الناس أحيانا للوصول إلى أهدافهم الشخصية، ولدى سؤالها إن كانت تُجامل في حياتها الاجتماعية أجابت نجلاء بقولهــا: جميلة هي المجاملة، ولكن الصراحة هي مبدأ أساسي في الحياة عمومــا, لا بـأس من المجاملة على أن تكون في حدود.

 

فوائــد وأضرار

عذيجة عبدالله الملا، موظفة، لهـا وجهة نظر أخرى حول هذا الموضوع قائلة: إن للمجاملة فوائد ومضار فمن فوائدها إصلاح الشأن بين متخاصمين على سبيل المثال. أما مضارها فأسوأ من فوائدها، وتتساءل إلى متى سنظل نجامل ونكذب على الغير, ومثل ما يقال:

الصراحة راحة والمجاملة نفاق! مُضيفة: ليس للمجاملة حدود، فنحن الذين نضع لها حدودا كي تطغى على جميع تعاملاتنا الحياتية وتصبح في حدود المعقول ولا تكون طاغية إلى حد البلاهة وربما الغباء في سبيل إرضاء الغير على حساب أنفسنــا.