ترمي سهاد حقيبتها الواسعة وملفاتها وصحيفتها على طاولة، غالباً ما تختارها عند زاوية مقهى على الرصيف. تطلب فنجان قهوة كبير الحجم. تسحب سيجارة في انتظار «رفيقة أفكارها ومنبّهة دماغها». تلقي نظرة على عناوين الأخبار والتحقيقات والمقالات، كمقدمة لجلستها الطويلة التي تبدأ فعلياً مع تغلغل رائحة البنّ في أنفها. المشهد اكتمل الآن. وصل أبطال الفيلم الرئيسيون: المقهى، الرفيقة السمراء، والدماغ الصاحي... تقتلع سهاد حاسوبها المحمول من الحقيبة، لتتصفح الجرائد الفرنسية التي «تشفي غليلي من ظمأ الصحف العربية». الموسيقى الكلاسيكية تسبق لمسة سهاد اللولبية للدخول في عمق الصحافة الفرنسية. «عصر بيتهوفن ولى، لكنه ينبض في داخلي من خلال نوتاته الموسيقية التي تنتشلني من العالم المادي إلى عالم روحاني»، تشرح سهاد التي ترافقها الموسيقى في السيارة والبيت وأثناء القراءة والطعام، وحتى في الحمام.
تجلس سهاد زهاء ثلاث ساعات يومياً في المقهى، تخصّصها للقراءة. الصبية العشرينية مهووسة بمتابعة الأفكار الجديدة في الصحف والروايات والفن، خصوصاً الفرنسية منها. تخرّجت في كلية الإعلام قبل سنة، وما زالت صحف مدينتها بيروت تضيق بها. «كلما أتعرّف إلى صحافي أراه غارقاً في الزواريب السياسية المحلية. إما يكون يائساً أو يفتّش عن بلد آخر للهجرة إليه. ما يجعل آفاق مواضيعه محدودة، أو غير آبه بالجديد الذي يدور حوله»، تعترض الشقراء التي تطمح ببلد يشبه بمثقفيه مدينتها المفضلة حول العالم باريس.
يصل نضال الشاب الأربعيني «المثقف» إلى المقهى. تنظر إليه سهاد ساخرة من منظره الذي يُشبه أبناء الستينات. تصفه بالأحمق والمتصنّع الذي وقف الزمن عنده منذ النكسة. تتساءل: «أيُعقل أن شاباً مثله لا يعرف «تشغيل» حاسوب؟ هل يمكن لمثقف أن يكون منعزلاً و«شوفانياً» لأنه قرأ عشرة كتب؟». تنتقد الرجل الذي أحرجته مرّة حين سألته عن أحد أهم الروائيين في العالم ولم يعرف إلا اسمه، «مع أنه يعرّف عن نفسه بأنه قارئ نهم للرواية». تتابع جلسة الثرثرة، كاشفة أن الثقافة بالنسبة إلى نضال وأمثاله وهم كثر، تقتصر على قراءة الصحف المحلية والقليل القليل من الكتب. «لقد فاتهم أن الثقافة حول العالم تطوّرت ولبست ثياب عصرها التي ستغيّرها كل يوم وكلما سمح لها الزمن والناس والطبيعة. الثقافة لا تقتصر على الكتب، التلفزيون ثقافة، والأكل ثقافة، واللباس ثقافة، والجهد الشخصي ثقافة، والانترنت ثقافة، والبيئة ثقافة، وثرثرة الجيران ثقافة...»، تقول متأفّفة من الوضع المتردي الذي وصلت إليه بلادنا من قوقعة وتخلّف جعلا ثقافتها تُطمر في التراب!
قد تكون سهاد من القراء الشباب النهمين، لكنها لا تكتفي بذلك لتكون على تماس مع الحياة اليومية المتجدّدة. تتنقل بين معارض الفن المعاصر والغاليري ودور السينما والمسارح والنوادي الثقافية «على ندرتها في بلد يعتبر نفسه قدوة في الثقافة». لكن أكثر ما يُغيظ هذه الفتاة المتحمّسة لإنتاج الفن المعاصر بشتى وسائله وطروحاته، أن الصروح التي تحتضن أعمال هذا الفن تُبنى بجهود شخصية ولا يرتادها إلا قلّة من اللبنانيين. «معظم مواطنينا مشغولون بجني الأموال والسياسة والطائفية، ولا وقت لديهم ليطّلعوا على المفكرة الثقافية في البلد أصلاً. لذا نلتقي بالوجوه نفسها في كل تظاهرة ثقافية صغيرة كانت أم كبيرة».
مقابل المقهى الذي ترتاده سهاد وأصدقاؤها «المثقفون» أو المهتمون بالشأن الثقافي، مقهى يختلف رواده عن الأول كل الاختلاف. وإذا كانت القهوة سيدة الطاولة هناك، فالنرجيلة ولعب الورق وطاولة الزهر «أسياد» هنا. وبينما تسمع من بقايا حديث هناك، اسم مخرج وفنان تشكيلي ونقاشاً سياسياً، تسمع هنا حديثاً عن مسلسلات تركية مدبلجة وقصص أحياء بكّتها الطائفية وأغنيات ومغنيات يمتهنّ الاراء، تشغل بال الحاضرين. تسألهم عن الثقافة. منهم من يعترف والاعتراف فضيلة «ليس لنا فيها عمل»، ومنهم من يرى «كل شيء في حياتنا ثقافة حتى الحياة والموت»، ومنهم من يسخر من سؤالك «الكلاسيكي الفضفاض الذي لم يعد له مكان في عصر الماديات». ولكن مهما اختلفت هوايات رواد المقهيين، إلا أن الصحف المحلية تبقى الوسيلة الوحيدة التي يجتمع حولها الجميع، وقد أصبحت سبل الحصول عليها عبر شبكة الانترنت، سهلة ومجانية تقريباً. فالاهتمام بالمواضيع السياسية يشغل بال الجميع، الفقير والغني، الجامعي والعامل، الأميّ والمتعلّم. ولكن يبقى لكل واحد منهم انتماؤه وصحيفته التي تعكس مرآة بيئته وتتوافق مع أفكاره.
الفن البصري يسرق الأضواء
ليس سراً أن المكتبات المرموقة في لبنان التي تضمّ كتباً ومجلات عالمية متنوّعة، تعدّ على أصابع اليد. وليس سراً أن المتاجر المتخصّصة ببيع أسطوانات الموسيقى (البديلة أو الراقية وليست التجارية) وأدواتها، لا تتعدى الأصابع الخمس. وكذلك المسارح التي صار عددها أربعة في بيروت، بعدما تحوّل معظمها الى دور سينما أو متاجر أو استديوات تستأجرها التلفزيونات لتصوير برامجها فيها. ولا ننسى أن بيروت تفتقد الى دور عامة تستقبل الرسامين والنحاتين والتشكيليين. ومن يتابع نشاطات المدينة الثقافية، لا بدّ من أن تلفته تلك الطوابير من الشباب التي تنتظر لحجز بطاقة الى صالة السينما. وحده الفن السابع زاد عدد متابعيه بين الشباب. ولم نسأل أحداً بين السادسة عشرة والثلاثين، إلا وقال إنه يشاهد فيلماً واحداً على الأقل في الأسبوع. واللافت أنه في حين يزداد هواة السينما في لبنان، يزداد صناع السينما أي المخرجين الذين يفضلون في غالبيتهم إخراج الأفلام القصيرة أو الوثائقية التي لا تحتاج الى تمويل طائل.
يحرص حسام ابن الثلاثين سنة على متابعة معظم أفلام السينما التي تعرضها الصالات اللبنانية. موظّف البنك الذي ينهي دوام الرابعة بعد الظهر، يرى في السينما ضالته. «باتت منفذاً لفهم معظم القضايا الحياتية، إضافة الى كونها وسيلة تسلية وترفيه»، يقول بحماسة. ويضيف: «من زمان كان الكتاب الوسيلة الأكثر انتشاراً بحثاً عن التسلية والمعلومات والثقافة العامة، أما الآن فصارت السينما تجمع هذه كلها». يمسك في يديه قرصاً مدمجاً اشتراه بخمسة آلاف ليرة ( 3 دولارات)، ويضعه في جهاز (دي في دي). ويوضح: «خلال ساعتين ونصف الساعة سأشاهد وأسمع وأعرف كل شيء عن رواية (العطر) بصورة وألوان تمتع النظر». ويتابع: «هذه الرواية اشتريتها قبل سبع سنوات ولم أقرأها لأن لا وقت لدي للقراءة. السينما وفّرت عليّ قراءتها ولخّصتها لي بساعتين تقريباً. أما الرواية فكنت أحتاج على الأقل إلى يومين للانتهاء من قراءتها». ومن هنا يمكن تفسير مشهد الطوابير على أبواب دور السينما.
لكنّ الأمر مختلف في رأي رشا مهندسة الديكور. فالصبية الأنيقة طويلة القامة، تعتمد على الأفلام السينمائية في ابتكار أفكار لعملها. تدمن مشاهدة الأفلام والمسلسلات والإعلانات المصوّرة، منذ نعومة أظافرها. وتعتمد في حياتها مبدأ «التسويق أولاً»، الذي قد يفسّر سرّ ارتفاع مشاهدي الأفلام في العالم. «معظم دور السينما التي ندخلها تبدأ بإغرائنا منذ لحظة وصولنا إلى الباب برائحة الفوشار. ثم في طريقة تقديم الأفلام على لوحات الإعلانات في الشوارع وفي الدور نفسها، بصور تكاد تنطق. ثم في المقاعد المريحة والمجهّزة لنضع كوباً من الماء مثلاً ، أو نمدّد أرجلنا. هذا عدا عن الإضاءة الباهرة والديكور والألوان الساحرة، خصوصاً الحمراء والزرقاء التي تُبهر العيون. هذا كلّه ليس مصادفة. إنه عمل تسويقي بامتياز يلعب في الدرجة الأولى على نفسية المشاهد لجذبه كل مرّة الى الدار نفسها». وهنا تستنتج ابنة الثامنة والعشرين لماذا لا يرتاد الشباب، «وأنا واحدة منهم»، المكتبات في بلادنا؟ «لأنها باهتة ومازال أصحابها يعتمدون أفكاراً قديمة في تسويق الكتب. مازالوا يظنّون بأن المثقف أو القارئ لا تهمّه المظاهر والألوان كأنه مصنوع من صخر».
