يعد مستشفى دبي أحد أهم الصروح الطبية التي نجحت في أن تكون لها بصمتها الواضحة على الساحة الصحية محلياً وإقليمياً ودولياً، فضلاً عن كونه من المنشآت الأولى في العالم على مستوى التقنيات المتقدمة والتجهيزات الحديثة، والعمليات الجراحية الكبرى والمعقدة، وقد عزز من مكانة المستشفى الدولية ونجاحاتها المتوالية نخبة من الأطباء والمساعدين والفنيين وطواقم التمريض، ومجموعة من الكوادر البشرية التي لا تدخر جهداً في الارتقاء بمستوى هذا الصرح الطبي التابع لهيئة الصحة في دبي.
من بين النخب الطبية التي يزخر بها مستشفى دبي، يأتي الدكتور فوزي الصفدي استشاري أمراض وجراحات القلب، والذي فرض اسمه عالمياً بعد ابتكاره الخاص بجراحة ترميم الصمام التاجي، الذي مثل نقطة تحول مهمة في هذا النوع من الجراحات على المستوى الدولي، وأصبح متداولاً تحت اسمه واسم مستشفى دبي التي تعد حاضنة للإبداع والابتكار في هذا المجال.
في هذا الحوار، اختلفت القواعد، واختلفت علامات الاستفهام، التي وجدناها تتحدد تلقائياً خلال الحديث مع الدكتور فوزي الصفدي، ولاسيما أنه يحمل هماً آخر ومسؤولية يستشعرها تجاه الأجيال الجديدة من الأطباء.
وإن كان مدخلنا هو الابتكار الذي يحمل اسم الصفدي ومستشفى دبي، فإن جوهر الحديث يرتكز في حوارنا على مسؤوليات النخب الطبية في نقل المعرفة وتداول العلم وتسليمه بمنتهى الأمانة والمسؤولية إلى الأطباء الجدد.
في سؤالنا الأول (التقليدي) حاولنا توضيح أبعاد الابتكار، وما هو على وجه التحديد لتقريب الصورة، ووضع النقاط على الحروف في قضية نقل الخبرات بين الأجيال، وهي القضية التي تشغل الدكتور الصفدي في المقام الأول، والتي فضل أن يتحدث عنها بإعلانه مفاجأة طبية مهمة حيث يقول:
لقد تمكن مستشفى دبي، أخيراً، من إجراء عمليات بالغة التعقيد لترميم الصمام التاجي، بالإضافة إلى زرع الشرايين التاجية، وفق تقنية غير مسبوقة، جمعت بين أحدث وسائل الترميم وطريقة المنظار، وهي العملية التي تكللت جميعها بالنجاح، وغادر المرضى على أثرها المستشفى خلال أسبوع واحد بعد أن استقرت أحوالهم وأصبح بمقدورهم ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي.
ويعد مستشفى دبي، المستشفى الوحيد على مستوى المنطقة الذي يتمتع بقدرات وإمكانيات فائقة لإجراء مثل هذا النوع المعقد من العمليات، فضلاً عن امتلاكه للطريقة الأحدث عالمياً لترميم الصمام.
خبرات عالية
كيف تطورت عمليات ترميم صمام القلب حتى وصلتم إلى الابتكار الجديد لهذه العملية، وماذا يعني الترميم؟
هناك مرضى يعانون من مشكلات كبيرة في الصمام التاجي، وكانت البداية في القرن الماضي، حيث كانت يقتصر حل مشكلة الصمام، على استبداله بصمام آخر معدني، ومع الوقت ظهرت مشكلات الصمام المعدني ومخاطره على صحة المرضى، والتي وصلت إلى حد وفاة المرضى من عواقب هذا الصمام، ومن هنا تطور العلاج ودخل الأطباء مرحلة الصمامات النسيجية القريبة للنسيج الطبيعي، لكن تبين بعدها أن عمر الصمامات النسيجية لا يتجاوز 10 سنوات.
لذلك كان يفضل إجراء مثل هذه العمليات للمرضى المتقدمين في السن، كما تم اكتشاف مشاكل أخرى مرتبطة بضعف عضلة القلب وقصور وظائفه، وعليه بدأت عمليات الترميم في فرنسا نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، وتطورت العملية لكنها لم تنتشر نظراً لاعتماد إنجازها ونجاحها على توفر أطباء مهرة وخبرات عالية، لذا ظلت عملية ترميم الصمامات قاصرة على نخبة محددة من الأطباء في العالم.
طريقة مبتكرة
هل هذا هو ما دفع لظهور طريقتك المبتكرة في الترميم؟
بالضبط.. حيث كان السؤال هو: كيف يمكن إجراء مثل هذه العملية على نطاق واسع؟، والإجابة تكمن في تطور العملية نفسها وابتكار طريقة سهلة للترميم، بحيث يتمكن الأطباء من تنفيذها بنجاح، وخاصة أنه كانت هناك مشكلة كبيرة يتفاجأ الأطباء بها في غرفة العمليات، حيث يكتشف الطبيب أن الأربطة التي سيستخدمها لترميم الصمام تكون أطول مما هو مطلوب أو أنها قصيرة، وبالتالي تكون هناك مغامرة في إجراء العملية.
وجاءت الطريقة المبتكرة، والتي نبسط الحديث عنها وهي أشبه بعقدة رابطة العنق (الكرافت)، وهذه الطريقة تسمح للطبيب داخل غرفة العمليات التحكم في طول الأربطة حسب قطر الصمام لدى المريض، وللعلم هذه الأربطة هي من خيوط الجراحة العادية، لكن من نوع يتناسب مع طبيعة الصمام.
مؤتمرات عالمية
هل ترى أن طريقتك المبتكرة أسهمت بالفعل في نشر عمليات ترميم الصمام؟
كانت هناك 40 تقنية وطريقة لحساب طول الأربطة قبل إجراء عملية الترميم، وجاءت طريقة (ربطة العنق)، لتسهيل كل هذه الأمور وتجاوز الحسابات المعقدة القديمة، وبالتالي أصبحت العملية في متناول الجراحين المتخصصين، وهي بسيطة جداً.
وأود الإشارة هنا إلى أن أكثر من مؤتمر عالمي في جراحات القلب، استعرض طريقة الترميم المبتكرة، وأهم هذه المؤتمرات كان مؤتمر جمعية الجراحين الأميركيين، الذي خصص يومين من أيام أعماله فقط للحديث عن عمليات ترميم الصمامات وأوصى بتعميم الطريقة الجديدة، كما كنت قد عرضت التقنية في المؤتمر السنوي لجمعية القلب السعودية الذي عقد في الرياض منذ أشهر ومن المنتظر أن استعرضها في مؤتمر عالمي سيتم تنظيمه في أبوظبي ديسمبر المقبل.
تحول مهم
ما هو الجديد في هذه العملية التي تمت في مستشفى دبي أخيراً؟
الجديد في هذه التقنية المطورة، هو إدخال طريقة حديثة إضافية، فالعملية ووفق الطريقة المبتكرة الجديدة كانت تجرى بالجراحة العادية، وهذا ما يسبب ضيقاً وقلقاً لدى المرضى الذين لا يحبذون وجود ندبات أو آثار عمليات في أجسامهم، حيث قام اثنان من الأطباء المشهورين في إيطاليا وبلجيكا، بإجراء العملية بالطريقة المبتكرة ولكن عن طريق المنظار، وهذا تحول مهم وجديد.
وعليه أصبح هناك فريق عالمي يقوده مستشفى دبي التابع لهيئة الصحة بدبي، لإجراء هذه العمليات الكبرى، وبالفعل أجريت أنا والفريق الذي يضم الطبيبين (الإيطالي البروفسور ماتيا غلاوبر والبلجيكي الدكتور علاء الدين يلمز) أكثر من 80 عملية ترميم صمام خارج الدولة، كما تم إجراء عمليتين في مستشفى دبي بهذه الطريقة، ليكون مستشفى دبي هو الأول على مستوى المنطقة الذي يجري مثل هذه العمليات الدقيقة بطرق مبتكرة هي الأحدث عالمياً.
نقل الخبرة
بالعودة للقضية الأساسية التي تشغلكم والخاصة بنقل المعرفة والخبرة للأجيال الجديدة من الأطباء.. كيف يتم ذلك من وجهة نظرك؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، أود الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن دبي بكل إمكانيات هيئة الصحة بدبي ونخب الأطباء فيها، تعد الأقرب والمؤهلة الوحيدة لقيادة العمليات الكبرى والمعقدة في جراحات القلب، وتلك النقطة هي فاصلة، ولها شواهدها التي تدعمها نجاحات وإنجازات كثيرة.
ومن المنطلق نفسه، فإن دبي أيضاً قادرة على نشر خلاصة تجاربها الطبية لتعميم الفائدة، والإسهام في إنقاذ حياة الكثير من حالات أمراض القلب، وحتى يكون الأمر واضحاً هنا، يمكن تقديم مثال على ذلك، وهو أن مستشفى دبي أعد مجموعة من الإجراءات والمحاضرات التي تشرح للأطباء، بمن فيهم الأجيال الجديدة، كيف يتم إنجاز عملية ترميم الصمام بنجاح، ومن الناحية العملية بدأنا في المستشفى برنامجاً متطوراً لجراحة القلب بالمناظير بالتعاون مع البروفسور ماتيا غلاوبر والدكتور علاء الدين يلمز وهذه الخطوة من شأنها تعزيز ثقة الأطباء الجدد.
وتحفيزهم على المساهمة والمشاركة في تطوير الطريقة نفسها، وإدخال ما يرونه مناسباً لتسهيلها، وهذا هو ما يوجز فكرة نقل الخبرات والمعرفة، التي نود أن تكون هي المبدأ الأساس لنا جميعاً وعلى امتداد وطننا العربي، حتى يكون للطبيب العربي المسلم قدره ومكانته وبصمته الواضحة والمؤثرة بإيجاب في حركة تطور الطب وعلومه.
وفي السياق نفسه، يسرني أن أبلغكم بأنه في الأيام القليلة القادمة، سيصل بإذن الله تعالى، إلى مستشفى دبي، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، مجموعة من الجراحين رؤساء أقسام وأساتذة جامعات من المنطقة ومحيطها، 7 منهم من المملكة العربية السعودية للمشاركة في أعمال الورشة الجراحية الثانية ضمن برنامجنا الجديد وذلك للاطلاع علي تقنياتنا الجديدة، واسمح لي بان أختم حديثي بآية من كتاب الله تعالى "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".
أكد الدكتور فوزي الصفدي استشاري أمراض وجراحات القلب أن مستشفى دبي حين توصل إلى ابتكار طريقة أكثر تطوراً عالمياً، لم يكتف بحصر الابتكار عليه، بل حاول نشر الابتكار من خلال المنتديات والمؤتمرات العالمية.

