شهدت مبادرة «تحدي دبي للياقة» التي أطلقها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، تفاعلاً مجتمعياً واسع النطاق، ما يعزز نمط الحياة الصحي لدى السكان ويجعل من هذه المبادرة النوعية نموذجاً مهماً جديراً بالدراسة، لاسيما بسبب الآثار الصحية الإيجابية المترتبة عليها خصوصاً وأنها تضم مجموعة من المنافسات والأنشطة الرياضية المتناسبة مع جميع الفئات والأعمار.

وهي متنوعة ومتدرجة بين السهولة والمتوسطة والقوية، ومجمل هذا التحدي يصب مباشرة في سلامة الأفراد من أمراض القلب، وهي أهداف صحية لطالما أكدت عليها منظمة الصحة العالمية، والجمعيات الصحية الدولية المتخصصة، والتي دعت إلى ضرورة تخلي الإنسان عن الأنماط غير الصحية في حياته اليومية.

هذا بالتحديد ما قاله الدكتور فهد باصليب استشاري ورئيس قسم أمراض القلب والقسطرة في مستشفى راشد التابع لهيئة الصحة بدبي، في مستهل حوارنا معه، حيث سألناه:

عن طبيعة أمراض القلب وعلاقتها بالنشاط وممارسة الرياضة؟

في التعريف العلمي لمنظمة الصحة العالمية للأمراض القلبية الوعائية، فإن هذه الأمراض تسبّبها اضطرابات القلب والأوعية الدموية وتشمل أمراض القلب التاجية (النوبات القلبية) والأمراض الدماغية الوعائية (السكتة الدماغية) وارتفاع ضغط الدم (فرط ضغط الدم) وأمراض الشرايين المحيطية وأمراض القلب الروماتزمية وأمراض القلب الخلقية وقصور عضلة القلب. والأسباب الرئيسية للإصابة بالأمراض القلبية الوعائية هي التدخين، وعدم ممارسة النشاط البدني واتباع نظام غذائي غير صحي.

وفيات

ما هي التقديرات العالمية للإصابة بأمراض القلب وكيف يمكن تفادي هذه الأمراض أو الحد من مخاطرها بالنسبة للمصابين بها؟

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 17.5 مليون نسمة قضوا نحبهم جرّاء الأمراض القلبية الوعائية في عام 2012، ممّا يمثّل 31% من مجموع الوفيات التي وقعت في العالم في العام نفسه. ومن أصل مجموع تلك الوفيات حدثت 7.4 ملايين حالة وفاة بسبب الأمراض القلبية التاجية و6.7 ملايين حالة جرّاء السكتات الدماغية.

غير أنّ الأمر الذي يبعث على التفاؤل – كما تشير المنظمة - هو إمكانية تفادي 80% من الأزمات القلبية والسكتات التي تحدث في سن مبكّرة. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق اتّباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام والامتناع عن التدخين.

النظام الغذائي

كيف يمكن ذلك.. نود التوضيح؟

النظام الغذائي المتوازن ضروري لصحة القلب والجهاز الوعائي، وهو يشمل الإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب غير منزوعة النخالة، واللحوم الخالية من الدهون، والأسماك والبقول، والإقلال من تناول الملح والسكر.

في الوقت نفسه تساعد ممارسة النشاط البدني بانتظام ولمدة لا تقلّ عن ثلاثين دقيقة على الجهاز القلبي الوعائي، أمّا ممارسة ذلك النشاط في معظم أيام الأسبوع ولمدة لا تقلّ عن 60 دقيقة فهو يسهم في الحفاظ على وزن صحي، إلى جانب الامتناع عن تعاطي التبغ، حيث يخلف التبغ أضراراً صحية جسيمة، ويشكّل التدخين اللاإرادي خطراً على الصحة أيضاً. وما يبعث على التفاؤل هو أنّ خطر الإصابة بالأزمة القلبية والسكتة يتقلّص فور إقلاع الشخص عن تعاطي منتجات التبغ، ويمكن أن يتقلّص بنسبة قد تصل إلى النصف بعد مضي عام على الإقلاع.

النشاط البدني

نود التوقف عند ممارسة النشاط البدني والرياضة بوجه عام، لنسأل عن مدى القيمة الصحية التي تحققها مبادرة «تحدي دبي للياقة»؟

في الحقيقة لا يتوقف الأثر الإيجابي أو الفوائد والقيمة الصحية لمبادرة «تحدي دبي للياقة» عند حد أمراض القلب، بل تنسحب قيمة المبادرة على مجموعة كبيرة من الأمراض ذات الصلة بأمراض القلب، حيث تؤكد منظمة الصحة العالمية في تقرير رسمي أنه ينبغي على الناس ممارسة قسط كاف من النشاط البدني طيلة حياتهم.

وتؤكد كذلك أنّ ممارسة النشاط البدني بانتظام وبوتيرة معتدلة طيلة 30 دقيقة في معظم أيام الأسبوع من الأمور التي تسهم في خفض مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية والسكري وانتظام ضغط الدم، وخفض معدلات الكولسترول الضار.

ورفع مستوى الكولسترول المفيد، وتفادي السمنة وجميع الأمراض المرتبطة بها، كما يمكن، من خلال تقوية العضلات والتدريب على التوازن، الحد من حالات السقوط وتحسين قدرة المسنين على التحرّك. وقد يقتضي التحكّم في وزن الجسم ممارسة المزيد من النشاط البدني.

لذلك نستطيع القول إن «تحدي دبي للياقة» وضع حداً فاصلاً لأنماط الحياة غير السليمة، يرتبط بها أناس، يعرضون أنفسهم وحياتهم للخطر، سواء بعدم ممارسة الأنشطة الرياضية أو اتباع نظام غذائي خاطئ، وبالتالي سيجد المشاركون أنفسهم أمام سلة من المحفزات، كل منهم يستفيد منها حسب ظروفه الصحية وسلوكياته، وعاداته الغذائية، فإذا كان الشخص يعاني مثلاً من أحد أمراض القلب.

فإن الرياضة الخفيفة ستجنبه مشكلة المضاعفات، وإن كان يعاني من أمراض مرتبطة بفرط الوزن أو زيادته، سيجد نفسه ضمن برنامج علاجي ووقائي متمثل في الأنشطة الرياضية المتنوعة التي يشتمل عليها «تحدي دبي للياقة»، حتى المدخنين.

فإن التحدي من شأنه تحفيزهم على الإقلاع عن التدخين، أو على الأقل التخفيف منه، وبالتالي يتخلص كل شخص من حزمة أمراض مرتبطة بالخمول والكسل وزيادة الوزن والتدخين، وتلك هي الخلاصة الطبية من وراء هذا التحدي غير المسبوق.

وأود الإشارة إلى أن مدينة دبي تنبض بالحياة والنشاط والحيوية والإيجابية، وهذا كله يعد حافزاً على التزام الأفراد بالأنماط الصحية سواء المرتبطة بالرياضة أو الغذاء أو الإقلاع عن التدخين، وذلك بعد انقضاء شهر التحدي، بمعنى آخر هو أن مواصلة مبادرة «تحدي دبي للياقة» لمدة شهر، يجعلها كفيلة بتغيير السلوكيات الغذائية والحياة اليومية المألوفة، وأعتقد أنه بعد انقضاء شهر التحدي، سيجد كل فرد نفسه أمام التزام بمواصلة النشاط الرياضي، لما سيكتشفه من آثار إيجابية واضحة على صحته نتيجة هذا الشهر المهم وهذه المبادرة المميزة.

جهود

إلى جانب مبادرة التحدي، لدى دبي العديد من التوجهات الخاصة بتنشيط السياحة الصحية، ومع الأثر العالمي الذي أحدثته مبادرة «تحدي دبي للياقة»، في هذا الجانب، هناك جهود مبذولة من قبل هيئة الصحة بدبي، لجعل المدينة خالية من الجلطات القلبية على وجه التحديد.. حدثنا عن هذا التوجه؟

بالنسبة لأمراض القلب، فإن دبي لها بصمتها على الساحة الصحية الدولية، وإنجازاتها ومكانتها المتقدمة، والتي تظهر بوضوح في مجموعة العمليات الكبرى الناجحة التي تجريها مستشفيات الهيئة، ومستشفى راشد على وجه التحديد.

وإضافة إلى ذلك فهناك مبادرة تتبني هيئة الصحة بدبي تنفيذها وهي مبادرة (دبي مدينة القلب السليم)، والتي تصب في هدف تمييز دبي بخدمات طبية متكاملة ورعاية صحية فائقة وتجربة استشفاء مثالية، فضلاً عن جعل دبي مدينة آمنة من الجلطات القلبية، وهو الهدف الأساس من المبادرة الطموحة.

والهيئة تعمل بالتعاون مع جميع الشركاء والأطراف المعنية الداعمة للمبادرة على تحقيق هذا الهدف، وتوفير الرعاية العاجلة لأي مريض معرض للإصابة بالجلطة القلبية، ورفع نسبة نجاته من أثر الجلطة ومخاطرها من 5 % إلى 65 %، خلال الدقائق الخمس الأولى للإصابة بالجلطة.