تتربع على عرشها في قاع الجمجمة «ملكة» صغيرة الحجم عظيمة الشأن تتمتع بذكاء بالغ الأثر وبحكمة شديدة الإتقان والبراعة.
تتميّز هذه «الحاكمة الصغيرة» بحيازتها لمنظومة «استراتيجية» متعددة الأبعاد والأدوار تشمل شبكات متناهية التنظيم والدقة من الهرمونات النشطة والمواد العاملة والمسيطرة على أهم «الجبهات» الخاصة بنمو الأعضاء التناسل وتنظيم الوظائف الحيوية في الجسم....... إنها الغدة المعروفة بالنخامية الرابضة في وسط وأسفل الدماغ، خلف عظام الأنف مباشرة، في المكان المخصّص لها والمسمى بـ «الكرسي التركي»، في قاع الجمجمة.
هذه «الملكة» العظيمة الشأن الملك والرعّية، لا يزيد حجمها على حجم حبة الحّمص الصغيرة ولا يزيد وزنها في حالتها الطبيعية عن النصف غرام.
تحكم هذه «الملكة» الصغيرة «مملكة» كاملة من الأجهزة والأعضاء والوظائف الحياتية وتتحكم بــ«رعّية» متعددة ومتنوعة من المحاور الحيوية والصحية البالغة الأهمية كنمو الإنسان وضغط الدم والاستقلاب وحفظ الطاقة وعمل الغدة الدرقية ونشاط الغدة الكظرية ووظائف الثديين والرحم والكليتين وتنظيم الماء والأملاح في الجسم وجوانب أخرى كثيرة تتعلق بالحمل والإنجاب والرضاعة والتناسل والكثير من الإفرازات الهرمونية المتعددة التي لها آثار كبيرة على شخصية الإنسان وحركته النفسية والعاطفية كالغضب والشهوة والانفعال وردود الفعل العصبية والعاطفية.
تتألف الغدة النخامية من نسيجين مختلفين الأول «غددي» والثاني «عصبي» يتشكلان من مجموعات متنوعة ومتخصصة من الخلايا «الذكية» و«النشطة» والمتعاونة مع بعضها البعض، وتتوزع هذه الخلايا بشكل منسق ومتجانس وهادف على جبهات محاور أمامية وخلفية ووسطية، داخل جسم هذه الغدة الصغيرة من أجل تحقيق الخطط والأهداف التي خلقت من أجلها بتوازن متقن ودقة بالغة تعجز العقول والحواسيب المتطورة عن محاكاتها!.
أنسجة «حكيمة» وخلايا «ذكية»
يقوم النسيج الغددي الذي يشكّل 80% من أنسجة الغدة النخامية وعبر خلاياه المتخصصة الموزعة على المحور الأمامي للغدة النخامية بإنتاج أهم الهرمونات المتعلقة بالنمو ومراحله وأدواره وتكامله وبالأخص على صعيد الأنسجة العضلية والعظمية وعلى صعيد التناسل حيث تسيطر بعض هذه الهرمونات على نمو ودور المبيضين والخصيتين عند الرجل والمرأة وتتحكم الأخرى بعمل الغدة الدرقية وبعوامل أساسية أخرى كالشعور بالألم والشهوة وغيرها.
أما النسيج العصبي فيقوم عبر خلاياه الموزعة على المحور الخلفي بإنتاج الهرمونات المسؤولة عن تنظيم عملية توزيع الماء والأملاح في الجسم وتنظيمها وضبطها بشكل صارم وحاسم. كما تقوم بعض الهرمونات بالتحكم بانقباضات الرحم عند الولادة وبمهمات حيوية أخرى.
وتوصل العلم مؤخراً إلى اكتشاف بعض المهمات التي تقوم بها بعض الهرمونات الصادرة عن محور وسطي يتمركز بين المحورين السالفين، ويتألف من أنسجة رقيقة جدا لها دور في تحفيز مادة الميلانين العاملة على صعيد تكون الجلد ووظائفه.
ولكي نقدر على فهم أهمية هذه الهرمونات وأهمية أدوارها علينا فقط معرفة وإدراك ومتابعة الإشكالات والأمراض والاضطرابات الكبيرة والبالغة الأهمية التي يمكن أن تنشأ بسبب خللٍ ما في الغدة النخامية أو في أحد وظائفها.
فإذا اعترى الغدة النخامية خلل ما لسبب طارئ أدّى إلى حصول نقص أو زيادة في نشاط إحدى هرموناتها أو في كميتها المحددة حسب الحاجات والظروف أو في دورها المعيّن لها سلفاً، ظهرت سلسلة من الأعراض والأمراض والآفات التي يمكن أن يأخذ بعضها بعداً خطيراً على حياة الإنسان.
كل ذلك أثار حفيظة الباحثين والعلماء واستفزهم بشكل كبير، وجعلهم يحاولون بشتى الوسائل معرفة واستكشاف طرق وأساليب العمل في «مملكة» الغدة النخامية وأنشطتها الوظيفية المتعددة الأوجه.
كيف تحكم.. وتتحكّم؟
يصعب البحث في تحديد الأسرار الكامنة وراء عمل الغدة النخامية، وتستحيل الإحاطة بكل شبكات وظائفها المتعددة ونشاطاتها المعقدة. كما يعجز العقل عن تفسير التوازن الدقيق الذي يحكم العمليات بشكل متناسق ومحسوب بدقة فائقة وبفعالية لا تقبل الوصف والتحديد!.
يشبّه بعض الباحثين عمل الغدة النخامية البالغ التعقيد بعمل «المايسترو» أو قائد الأوركسترا الذي يتحكم بنشاط الموسيقيين، ويقودهم بسلاسة وصرامة ويتابعهم بدقة وتصميم لكي يقوموا بأداء أدوارهم بانسجام وانتظام وسلام من دون تعكير أو فوضى أو تصادم!. أما البعض الآخر من الباحثين فيعتبر أن عمل الغدة النخامية هو أشبه ما يكون بعمل «الترموستات» أو معدّل الحرارة المنزلية الذي يقيس ويضبط الحرارة باستمرار عبر الإشارات الهرمونية، لكي تظل منتظمة ضمن حدودها الطبيعية المسموح بها، حسب الظروف والحاجات.
ولتأدية عملها بشكل متكامل ودائم وموزون، تلجأ الغدة النخامية إلى «مجلس استشاري أعلى» هو بمثابة مركز عمليات وتنسيق يساعدها على التحكم بـ«مملكتها» الواسعة الأطراف وهو مركز «الهايبوتلاموس» أو مركز «ما تحت السرير البصري» الذي يقوم بعمله التنسيقي عبر إفراز مجموعة من الهرمونات السالبة والموجبة والتي تقوم بدورها بـ «تحفيز» أو «قمع» الهرمونات الصادرة عن الجزء «الغددي» من الغدة النخامية، لتنظيم حركتها وضبط عملياتها بشكل حيويّ ودائم وفعّال.
يقف العلم الحديث بكل إنجازاته واكتشافاته ونظرياته عاجزاً عن فك رموز وسبر أغوار هذه «المملكة العجيبة»، ويظل حائراً ومندهشاً أمام أسئلة كثيرة تراوده حول كيفية تسيير وضبط هذا الترابط الشديد والانسجام البالغ التعقيد في عمل الغدة النخامية ووظائفها الحيوية، فالصدفة ونظرياتها المتداولة لا يمكن لها أن تفسّر حلقة واحدة من ملايين الحلقات التي تتوزع عبرها وظيفة واحدة من وظائف الغدة النخامية.
أما نظرية التطور والارتقاء فتفشل فشلا ذريعا حين تحاول التصدي لتفسير هذه «المعجزة» البيولوجية الممسوكة من أولها إلى آخرها بيد حكيمة بصيرة رقيبة دؤوبة لا شبيه لها ولا نظير، ويطول البحث ويستمر الجدال ويدوم السؤال إلى ما لانهاية، وتبقى الغدة النخامية في الأجساد والعقول، كمثيلاتها ورفيقاتها وصديقاتها من «المعجزات» الحيّة تسبّح بحمد ربّها وتشكر له!.
* استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الأنسجة بمستشفى دبي

