يلاحق الرجل بعد انقضاء مرحلة »منتصف العمر« همّ كبير يتصدّر المراكز الأولى من لائحة همومه الصحيّة المستجدة بعد انتقاله من مرحلة "ما قبل الخمسين" إلى ما بعدها ودخوله عالم الترقب والمراقبة والعناية المكثفة بأمراضه وأعراضها المتزاحمة، ألا وهو سرطان البروستات الذي يعتبر في عصرنا الحاضر السرطان الأكثر شيوعاً عند الرجال وعدو الرجال الخفيّ الذي أصبح يترصدهم عند تقدمهم في العمر ليقلقهم ويشغل بالهم ويزيد هموهم.

يتميز هذا النوع من السرطان بأنه يظهر بشكل خفي ويتكاثر ويتطور ببطء وقد لا تظهر أعراضه لسنوات عدة وهذا ما يجعله ورماً »لئيماً« و»مخادعاً« بالإضافة إلى »خبثه« وخطورته المتفاقمة على مرّ الأيام والأشهر والسنين على حياة الرجل.

تظهر أعراض هذا السرطان عندما تصبح غدّة »البروستات« كبيرة في حجمها واتساع إصابتها بالخلايا السرطانية المتكاثرة بما يكفي للتأثير سلباً وبشكل تدريجي على مجرى البول أو الأنبوب الذي يحمل البول من المثانة إلى الخارج فيصيب المريض ازدياد متسارع في الحاجة للتبول، وإجهاد متعاظم ومؤلم أثناء التبول وشعور غريب ومزعج بأن المثانة لم تفرغ تماماً! وتكمن المشكلة في هذه العلامات في كونها مشتركة بين سرطان البروستات وتضخم البروستات الحميد مما قد يسبب في الكثير من الأحيان إهمالاً لها على أساس أنها أعراض مرض حميد أو مبالغة في التشدد في متابعتها على أنها أساس مرض خبيث، ومن هنا نشأت بروتوكولات التشخيص والوقاية والعلاج المختلفة والتي احتوت على أكثر من معيار تشخيصي منها: المخبري، والإكلينيكي، والإشعاعي.

الأسباب

لم تُعرف حتى الآن أسباب واضحة لسرطان البروستات ولم تكتشف إلا بعض الاختلالات الجينية المعقدة أو بعض الاعتلالات الوراثية العائلية ولم تحدد إلى عوامل خطر حاسمة إلا ما لوحظ عبر الدراسات والإحصائيات العالمية من أنه يمكن لعدد من الأشياء أن تزيد من خطر الإصابة بالمرض كالتقدم بالعمر (تحصل معظم الحالات لدى الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 50 عاماً أو أكثر)، وشيوعه أكثر لدى الرجال من أصل أفريقي - كاريبي أو من أصول أفريقية (وهو أقل شيوعاً لدى الرجال من أصل آسيوي) واحتمال أن يكون الرجال الذين لديهم أقارب ذكور من الدرجة الأولى (مثل الأب أو الأخ) مصابين بسرطان البروستات في خطر متزايد عبر السنين.

التشخيص

يتمحور تشخيص سرطان البروستات حول نتيجة الدراسات النسيجية للخزعة المأخوذة من الغدة المصابة والتي يلجأ عادة إلى استخدامها عند توافر الشروط والمعايير الإكلينيكية والبيوكيماوية الخاصة بذلك كاختبارات »فحص الدم لقياس المولد المحدد لمضادات البروستات« والفحص البدني وفحص التصوير الصوتي وغيرها والتي لا يمكن أن تؤدي إلى تشخيص نهائي حاسم.

وبما أن اختبارات »فحص الدم لقياس المولّد المحدد لمضادات البروستات« ليست خصوصاً بسرطان البروستات ويمكن أن ترتفع بسبب وجود نمو كبير غير سرطاني في البروستات أو عدوى جرثومية في المسالك البولية أو التهاب في البروستات، فإنه من اللازم أن يلجأ الطبيب المختص للخزعة والتشخيص النسيجي عندما تتوفر عنده المعايير والشكوك المستوجبة للتشخيص النهائي. يعتمد التشخيص النسيجي على معايير ومقاييس محددة حسب اللوائح التشخيصية العالمية (وأشهرها لائحة »غليسون«) والتي تقيّم وتقيس معايير مختلفة كشكل الورم وفئته النسيجية وهيئته السرطانية ونوعه الخلوي ودرجة تكاثره وانتشاره حول الأعصاب الداخلية داخل الأوعية الدموية.

العلاج

يعتقد معظم الأطباء الأخصائيون حالياً أنه إذا كانت حالة السرطان المشخصة في مرحلة مبكرة ولا تحمل أعراضاً، يمكن اعتماد سياسة »الانتظار الحذر« أو »المراقبة الفعّالة« كما يمكن اللجوء إلى علاجات جراحية حديثة عبر »الروبوت« لتفادي إشكالات سلس البول وغيرها من الآثار المزعجة أو علاجات هرمونية. أما إذا حصل التشخيص في حالة متقدمة وهذا ما يحصل للأسف في الكثير من الأحيان فإن العلاج يكون صعباً ومعقداً ويمكن أن ينحصر في العلاجات التخفيفية إذا ما ثبت أن الورم قد انتشر وانتقل إلى أماكن أخرى كالعمود الفقري.

للرجل البالغ والراشد والمنطلق في حياته والمتقدم في عمره من مرحلة الشباب الصاخب إلى مرحلة الكهولة المتزنة ومنها إلى عالم الشيخوخة الهادئة الوادعة، هناك أعداء كثر على جبهة صحته وعافيته وحركته، منهم من يواجه بحدة وشراسة وضجيج ومنهم من يتربص به ليواجه بصمت ودهاء وخبث فيؤرق حياته وينزع الطمأنينة منه ومن عائلته.

ولمواجهة هذين النوعين من الأعداء على الرجل أن يتمسك بإيمانه ووعيه ويزيد من ثقافته الصحية ويلجأ إلى كل الاحتياطات الضرورية ووسائل الدفاع اللازمة من وقاية وإجراءات روتينية وتدابير لحفظ النفس والتمتع بآفاق الحياة الجميلة!

طبيب استشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة بمستشفى دبي