يتصدر سرطان الرئة حالياً جميع اللوائح الإحصائية الخاصة بوفيات السرطان عند الرجال والنساء على السواء، كما يستحوذ على الكثير من الاهتمام في أوساط الباحثين والخبراء والمختصين العاملين في مجالات تشخيص الأورام وعلاجها والوقاية من السرطان ووضع سياسات الرعاية الصحية وتطبيقاتها.

لقد أطلقت على هذا النوع من السرطان الخبيث تسميات كثيرة وألقاب عدة منها: «السرطان القاتل» و«الضربة القاصمة» و«عقاب المدخنين» و«القضاء المبرم» وغيرها من التسميات المخيفة التي جعلت من هذا النوع من الأورام «آفة» مرعبة تصاحب المصاب بها وتنهكه جسدياً ومعنوياً ونفسياً وعائلياً واجتماعياً وتجلب له الكثير من الهموم العظيمة والمتاعب الكبيرة.

ينقسم سرطان الرئة إلى نوعين مختلفين يتميزان بأشكال وأنماط وهيئات نسيجية وخلوية وبيولوجية متضاربة في الكثير من الأحيان وطرق علاجية وطبائع سريرية غير مشابهة وهما:

1- سرطان الرئة ذي الخلية الصغيرة (SCLC) ويشكل حوالي 20% من جميع حالات سرطان الرئة وهو النوع الأكثر عدوانية والأسرع انتشاراً من بين جميع الأنواع ويرتبط بشكل وثيق مع تدخين السجائر مع العلم أنه فقط 1% من هذه الأورام تصيب غير المدخنين، وهذا النوع من السرطان ينتشر بسرعة وينتقل إلى الكثير من الأعضاء داخل الجسم وغالباً ما يتم اكتشافه بعد انتشاره.

هناك ثلاثة أنواع من سرطان الرئة ذي الخلية الصغيرة تتم تسميتها حسب نوع الخلايا السرطانية الموجودة وحسبما تبدو تحت المجهر: سرطان الخلايا الصغيرة (سرطان خلية الشوفان)، خلايا صغيرة مختلطة، سرطان الخلايا الكبيرة وتجمع سرطان الخلايا الصغير، وتدخل في تشخيصه الكثير من العوامل والمؤشرات النسيجية والخلوية والكيميائية والبيولوجية، ويكمن العلاج وينحصر في معظم الأحيان في العلاج الكيميائي وبروتوكولاته المتعددة والمعقدة.

2- سرطان الرئة غير صغير الخلية (NSCLC): هو النوع الأكثر شيوعاً ويشكل حوالي 80% من جميع الحالات وهو لا ينمو ولا ينتشر بالشكل وبالسرعة التي يتميز بهما سرطان الرئة صغير الخلية، ويتم التعامل معه بشكل مختلف إذ يقتضي في علاجه التدخل الجراحي حسب كل حالة وتبعاً للظروف الإكلينيكية وحالة الرئتين، كما يدخل العلاج الإشعاعي في بعض المراحل المتقدمة، وينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة من الخلايا هي سرطان الغددي، سرطان الخلايا الحرشفية وسرطان الخلايا الكبيرة. وقد ظهرت على الساحة الطبية مؤخراً لائحة تشخيصية - علاجية غير مكتملة من المؤشرات والفحوص الجينية والبيولوجية المعقدة والباهظة الثمن والتي تسهل علاج بعض الحالات الخاصة والمحددة ضمن هذه اللائحة.

يتميز سرطان الرئة عن غيره من الأورام الخبيثة الأخرى بصعوبة تشخيصه مبكراً وبصعوبة علاجه بشكل فعال وسريع ونهائي وبكلفته الاقتصادية العالية حيث تجرى للمصاب لكشف ورمه وتحديد طبيعته الإشعاعية وحجمه الحقيقي ونوعه الخلوي ودرجته وامتداداته وهويته البيولوجية والكيميائية والنسيجية الكثير من الفحوص المتقدمة والباهظة الثمن كما يتميز بالكثير من الخصائص والاعتبارات التي نذكر منها الأمور التالية:

1- ارتباط ظهور الورم ونشوئه وانتشار خلاياه بالتدخين بشكل مباشر في 90 بالمئة من الحالات.

2- يصاحب إعلان المرض للمريض المصاب حالات نفسية صعبة من الشعور بالذنب والاكتئاب واليأس لما تحمله الحالة من مأساوية في سرعة تطور الحالة وصعوبتها العلاجية وآثارها القاسية على الفرد وعائلته ومحيطه.

3- ليست لهذا النوع من السرطان أعراض مبكرة؛ لأن الرئة من الأعضاء غير الحساسة للألم، الأمر الذي يجعل الأورام تتطور في معظم الأحوال على مدار سنوات، ومن ثم لا يتم اكتشافها إلا في مرحلة متقدمة، ومن الممكن ألا يكون للأعراض أي خصائص مميزة.

4- تشخص الحالة أحياناً كثيرة بعد انتقال الورم إلى أعضاء أخرى أو بعد انتقاله إلى الأوعية الدموية والغدد اللمفاوية.

5- يعتبر خروج الدم مع السعال بمثابة ناقوس خطر وعلى المريض أن يذهب في هذه الحالة بأسرع ما يمكن إلى الطبيب المتخصص، في الوقت نفسه فإن أعراض الإصابة بسرطان الرئة يمكن أن تظهر في صورة آلام مزمنة في الصدر أو تغير في طبيعة السعال أو آلام في الظهر.

6- تتراوح نسبة المصابين بهذا النوع من السرطان من الذين يبقون على قيد الحياة لأكثر من خمس سنوات بعد اكتشاف المرض بين 10 و15% فقط.

7- أوضحت الإحصاءات أن واحداً من بين كل 10 مدخنين يصاب بسرطان الرئة كما بينت أن الإقلاع عن التدخين هو الشيء الأكثر فاعلية في وسائل الوقاية من سرطان الرئة بالنسبة للمدخنين، حيث أصبح مؤكداً أنه مع طول فترة الإقلاع عن التدخين تقل مخاطر الإصابة بسرطان الرئة بشكل كبير، كما تبين أن الشخص الذي ظل يدخن 20 سيجارة يومياً على مدار 10 سنوات مهدد بقوة بالإصابة بهذا المرض مقارنة بالشخص غير المدخن.

8- ظهر بشكل قاطع أن هناك ممارسات مفروضة وطقوس معتبرة اجتماعياً و«بدع» خطيرة مصاحبة للتدخين وهي شديدة الخطورة على الفرد والمجتمع والصحة بشكل عام وعلى صعوبة الإقلاع عن التدخين حتى في حالات المرض وبعد تشخيص المرضى بالسرطان وإبلاغهم بالنبأ، لأنها شديدة التأثير والدعاية والانتشار خصوصاً بين الفئات الشبابية وتعتمد على توثيق وتفعيل وتثبيت الارتباط بين التدخين وبعض العادات الاجتماعية العامة والخاصة مثل ربط تدخين السيجارة بتناول فنجان القهوة في البيت أو المقهى أو عند حدوث التعرض لضغط عصبي أو قبل الاختبارات والامتحانات أو قبل تناول الطعام وبعده أو ما يرتبط بالحالات الشبابية والحماسية والحفلات والنوادي والأفراح والأتراح وغيرها من النشاطات والعلاقات الاجتماعية.

8- يعتبر الإقلاع عن التدخين من الأمور شديدة الأهمية في علاج سرطان الرئة؛ إذ إن فاعلية أدوية تثبيط السرطان تكون سيئة في حال المريض المدخن مقارنة بالمريض غير المدخن، كما أنه في حالة شفاء المريض المدخن فإن خطر ظهور الورم الخبيث مرة أخرى بعد الشفاء يظل قائماً.

استناداً إلى كل ما تقدم واستناداً على ما تحفل به الدراسات والأبحاث الطبية من دلائل ونتائج وبراهين حول آثار التدخين القاتلة كسرطان الرئة وغيره من الأورام والأمراض والآثار الصحية الوخيمة، أصبح من المحتم على الإنسان أن يتعامل مع هذا الموضوع الخطير على أنه آفة مميتة لا مفر من الخلاص منها والإقلاع عنها عاجلاً وليس آجلاً ومن دون تأخير لأن الإصرار على البقاء عليها ليس بمزحة أو نزوة أو مغامرة بل دعوة مفتوحة لهذا «الخطر الداهم» للبقاء على العشاء!.

* استشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في مستشفى دبي