تنشغل الأوساط العلمية حالياً بموضوع العلاقة بين الفيروسات والسرطان وتتكثف البحوث والتجارب حول أنواع محددة من الفيروسات ثبت ارتباطها بشكل أو بآخر ببعض حالات السرطان، كما تجري أبحاث أخرى لمحاولة وضع أساليب علاجية لمحاربة بعض أنواع الأورام السرطانية مبنية على قابلية بعض الفيروسات على «قتل» الخلايا السرطانية بعد تأمين الظروف المناسبة لذلك. ونتيجة لتلك الأبحاث بدأ الحديث عن عقاقير و«طعوم» جديدة مضادة للسرطان تستند على ارتباط الفيروسات بعملية نشوء الورم السرطاني من جهة، وعلى قدرة بعض الفيروسات على قتل خلايا الورم السرطاني من جهة أخرى!.

تتمحور حالياً الدراسات والأبحاث العلمية حول العلاقة والارتباطات المباشرة وغير المباشرة بين أنواع محددة من الأورام السرطانية وأنواع معينة من الفيروسات ثبت علمياً دورها في عمليات نشوء أو نمو أو انتشار تلك الأورام وأهمها:

1 - علاقة فيروس الثألول الحليمي البشري بسرطان عنق الرحم (وسرطان الشرج والمهبل وبطانة الرحم والمثانة وغيرها من أورام الأنسجة المخاطية).

2 - علاقة فيروس إبستين بار بسرطان الغدد اللمفاوية وبعض أنواع سرطان الأنف والحنجرة.

3 - علاقة فيروس التهاب الكبد الوبائي من نوع «ب» بسرطان الكبد.

4 - علاقة فيروس التهاب الكبد الوبائي من نوع «ج» ( أو «س» اللاتينية) بسرطان الكبد.

5 - علاقة فيروس «هربس» ببعض أنواع سرطان الأعضاء التناسلية وبسرطان الأنسجة الرخوة المعروف بـــ «كابوسي».

6 - علاقة فيروس الأيدز بسرطان الغدد اللمفاوية.

7 - علاقة فيروس «م. م. ت. ف.» البشري بسرطان الثدي.

هذه الدراسات والنتائج الصادرة عنها أسهمت في توضيح طبيعة الكثير من الإشكاليات التي كانت تطرح حول عملية «تشكيل» الورم السرطاني منذ بداية نشوء خلاياه في مراحله الأولى ومروراً بمراحل النمو والاكتمال والانتشار، كما تم كشف الكثير من الجوانب المظلمة والنقاط الغامضة حول الأسباب المباشرة وغير المباشرة لبدء عملية «تحّول» الخلية الطبيعية إلى خلية سرطانية.

هذه الاكتشافات أدّت أيضاً إلى تكثيف حملات الوقاية من السرطان إذ حين «يعرف السبب يبطل العجب» وحين يمكننا معرفة الأخطار يمكننا التحذير منها الطلب من الآخرين الوقاية وحماية أنفسهم منها، وهكذا ظهرت حملات الوقاية الصحية والتوعوية الإرشادية لحثّ الناس على تفادي الالتهابات الفيروسية وتفادي نقلها بالعدوى أو التعرض لها وخاصة عبر قناة الاتصال الجنسي والتي تتميز بها - بالتحديد- هذه الفيروسات «المسرطنة».

من ناحية أخرى، تكثفت الجهود العلمية لإيجاد «طعم» أو «مصل» مضاد لتلك الفيروسات «المسرطنة» وتمحورت الأبحاث حول إيجاد «مصل» مضاد لأكثر أنواع فيروس الثألول الحليمي البشري ارتباطاً بسرطان عنق الرحم تبلورت الجهود أخيراً بظهور عقار «غارداسيل» الذي يعمل على الوقاية من التهابات فيروس الثألول الحليمي البشري رقم 16 ورقم 18 واللذين يعرفان بالنوعين الأشد تورطاً في نشوء سرطان عنق الرحم.

ظهرت في الآونة الأخيرة أبحاث مخبرية تناولت قابلية أو خاصّية بعض الأنواع من الفيروسات في قتل الخلايا السرطانية بعد معالجتها مخبرياً لتفادي إضرارها بالخلايا الطبيعية و ومنع انتشارها في الأنسجة المحيطة بالورم، حيث ظهرت أصناف عديدة من الفيروسات المحتملة الترشيح أو المرشحة بقوة لهذا الهدف وتميّزت في هذا المجال الأبحاث التي تمحورت حول الفيروسات التالية:

1 - «ف.س.ف» أو فيروس التهاب اللثة الحويصلي: لعلاج سرطان الجلد والرئة والثدي والبروستات وسرطان الدم.

2 - «ن.د.ف» أو فيروس مرض نيو كاسل: لعلاج سرطان الجلد والقولون والثدي والمبيض والكلى.

3 - «أ. أ. ف. 2» أو فيروس الغدد المشترك رقم 2: لعلاج سرطان عنق الرحم والثدي.

من هنا نفهم جدلية العلاقة التي نشأت على مر السنين بين الفيروسات والسرطان، فمن مسبّب محتمل إلى علاج محتمل ومن مساعد على النشوء والنمو إلى مهدّد ومدمّر ومن صديق مصاحب إلى عدو لدود، لكن هذه الجدلية يجب أن تدفعنا لأن نتعاطى مع الموضوع بجدية وعقلانية حين تواجهنا سلبية العلاقة «المتواطئة» بين الفيروسات والسرطان ونشدّد على أهمية الوقاية من الالتهابات الفيروسية المسببة للسرطان خاصة عبر العلاقات الجنسية غير المدروسة أو غير المشروعة أو غير الصحية والتي يمكن أن تؤدي بالمريض ومحيطه إلى التهلكة.

في نفس الوقت يجب أن نشد على أيدي الباحثين لتكثيف جهودهم في دراسة واستكشاف الجانب الإيجابي لهذه العلاقة الجدلية بإيجاد حلول ناجعة وأساليب علاجية سليمة وناجحة مئة بالمئة، تعتمد على تسهيل عملية «قتل» الخلايا السرطانية باستعمال الأسلحة الفيروسية الفتاكة نفسها و«قتل القاتل» بأيدي شريكه!!.

*طبيب استشاري في أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الأنسجة بمستشفى دبي