لا شك أن أهمية المعلومات في اتخاذ قرار ما أصبحت من المسلّمات التي لا يختلف عليها اثنان، فما بالك عندما يتعلق الأمر بحياة المرضى؟ وما بين هذا وذاك، أي «الأهمية والتطبيق»، بون شاسع في بعض بلدان العالم، وأخشى أننا في منطقتنا العربية ما زلنا بعيدين عن التطبيق، لكنني متفائل بأن المستقبل يحمل كل الخير، وخصوصاً في دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة.

في دراسة أجريت أخيراً بدعم من المكتبة الوطنية الطبية الأميركية، ونشرت في عدد يناير 2013 من «مجلة جمعية المكتبات الطبية» بعنوان «أهمية خدمات المكتبات والمعلومات في رعاية المرضى: نتائج دراسة متعددة المواقع»، ونفذت في 56 مكتبة تخدم 118 مستشفى، ومن خلال توزيع استبانة إلكترونية على الأطباء والمقيمين والممرضين، إضافة إلى مقابلات عن طريق الهاتف، خلصت الدراسة إلى أن «مصادر المكتبات والمعلومات ينظر إليها على أنها ذات قيمة عالية، وأن المعلومات التي حصل عليها هؤلاء المشتركون في الدراسة لها تأثير واضح في صحة المرضى».

ومن النتائج الباهرة أيضا، أكدت أكثر من 75% من الردود «أن المعلومات التي حصلوا عليها من مصادر المكتبات والمعلومات كان لها تأثير كلي أو جزئي وبشكل ملحوظ في تغيير طريقة رعاية المرضى»، ومن هذه التغييرات طريقة إعطاء النصيحة للمريض، والتشخيص، واختيار الدواء، وطرائق علاج أو فحوص أخرى، كما أجاب المشتركون بنسب متفاوتة عن أن المعلومات التي حصلوا عليها مكنتهم من تجنب الأحداث السلبية، مثل سوء فهم المريض للمرض أو الاختبارات غير اللازمة أو خطأ في التشخيص أو التفاعلات الدوائية الضارة أو الأخطاء الطبية أو وفيات المرضى.

كما خلصت الدراسة أيضاً إلى «أن إمكانية الحصول على مصادر المعلومات من أكثر من مصدر وموقع وأداة زادت من قدرة متخصصي الرعاية الصحية (فئة الأطباء، وفئة الممرضين) على استخدام هذه المصادر لتحسين رعاية المرضى»، فمن حيث الموقع Physical Location الذي أجري منه البحث، جاءت النتائج لجميع الفئات أن المكتب أولاً ثم وحدة الرعاية الصحية ثانياً ثم البيت ثالثاً ثم المكتبة رابعاً.

أما نتائج فئة الأطباء، فكان الترتيب: المكتب ثم البيت ثم وحدة الرعاية الصحية ثم المكتبة، على عكس نتائج فئة الممرضين التي كانت على الترتيب: وحدة الرعاية الصحية ثم المكتب ثم البيت ثم المكتبة، وهذا مؤشر كبير إلى التحول للوصول من بعد إلى مصادر المعلومات من جهة، وإلى التحول الإلكتروني للمحتوى من جهة أخرى.

أما من حيث الأداة المستخدمة للوصول إلى مصادر المعلومات، فجاءت الشبكة الداخلية للمؤسسة أولاً، ثم موقع المكتبة على الإنترنت ثانياً، ثم محرك بحث ثالثاً، ثم اشتراك فردي أو مؤسسي يليه من داخل المكتبة، ثم من خلال نظام سجلات المرضى EMR، ثم الأدوات المتحركة كالهواتف الذكية، ثم سؤال أمين أو موظف المكتبة.

هنا نلاحظ أهمية ربط وتكامل المعلومات التي تشترك فيها المكتبة مع نظام سجلات المرضى EMR، كوسيلة عليا لوصول متخصصي الرعاية الصحية إلى المعلومات، ولتحول دور أمناء المكتبات إلى التعليم والتدريب وإدارة المحتوى الإلكتروني، حيث أكدت الدراسة تنوع هذا الدور ما بين إدارة مصادر المعلومات الإلكترونية إلى توجيه ودعم المستفيدين والمساعدة على البحوث المتخصصة وخدمات المعلومات للبحث الإكلينيكي، وتعدى ذلك إلى مشاركتهم في تحسين الجودة على مستوى المؤسسة.

ومن النتائج التي علينا الوقوف عندها والتفكير فيها نتائج تحديد القيمة الكلية للمعلومات Overall Value of the Information، من خلال أربعة متغيرات: المتغير ا لأول: جودة المعلومات، وتبين أنها ذات صلة ودقيقة وحديثة، ما يعني أن الجودة المدركة أو المحققة كانت عالية. المتغير الثاني: القيمة المعرفية، وتبين أنها تعمل على تحديث الذاكرة، وتثبيت المعرفة أو المعتقدات السابقة، وتوافر مع ارف جديدة. المتغير الثالث: الإسهام في جودة رعاية المرضى من حيث فوائدها الكامنة مستقبلاً وقيمتها السريرية العالية، وأدت إلى اتخاذ قرار سريري سليم، وأسهمت في رقي جودة الرعاية. المتغير الرابع: توفير الوقت، حيث أجاب أكثر من 85% بأن توفر المعلومات أسهم في توفير الوقت بمتوسط 2.5 ساعة.

لا شك أن معلومة ما قد يطلع عليها الطبيب قد تكون سبباً في شفاء مريض ما، فعلينا أن لا نبخل على الكادر الطبي والتمريضي وبقية العاملين في الرعاية الصحية الأولية بالمعلومات الطبية والصحية وتوفيرها وإتاحتها بمختلف الطرق، وأن نستمر في الاشتراك فيها واقتنائها.

*رئيس قسم المكتبات الطبية بالإنابة بهيئة الصحة بدبي