لا يحب ريتشار فريس كثيراً اللقب الذي أطلق عليه وهو «الأنف»، ويتساءل: هل يشعر الفنان بالفخر إذا أطلق عليه «العين»؟ ويفضل فريس أن يطلق عليه لقب «الملحن»، ومع ذلك فإن حقيقة الأمر هي أنه معروف بحاسة الشم العالية لديه، التي تكشف له عالما خفيا بالنسبة لمعظم الناس.
وبصفته صانع للعطور فإنه يعتبر إمبراطورا للعالم الخفي للعطور. لقد أنتج أكثر من 80 عطرا خلال ثلاثة عقود، وتضم قائمة زبائنه أميرات شرقيات ونجمات عالميات.
روائح وعطور
وبالنسبة لفريس، 59 عاما، فان العالم يتكون أساسا من الروائح والعطور. وربما تجذب الاشخاص الآخرين الالوان التي بدأت تفقد بريقها فى أواخر الصيف، ولكن إحساس فريس يستشعر العبير المنبثق من الشجيرات الجافة والأرض الخضرة المشذبة حديثا، ففي تلك اللحظات يبدأ فريس فى تدوين انطباعاته الخاصة بإحساسه برائحة الاشياء.
ونظرا إلى أن العبير سريع الزوال فإن الخبير يحتاج لهذه الملاحظات؛ من أجل أن يقوم في المختبر بإعادة تصنيع الرائحة الجميلة، المستمدة من فترة بعد الظهر في أحد أيام الصيف.
وأوضح فريس انه «يترجم ما يراه أو يشعر به إلى عطور». فان كل ما في الدنيا مثل أرض مجهولة، أو عمل فني خلاب يوحي لصانع العطور بالالهام الذي يكمن وراءه ما ينتجه من عطور، وهو دائما يبحث عن شيء جديد.
ويبدو أن مسألة الاستشعار الجيد برائحة الاشياء أمر وراثي فى عائلة فريس؛ حيث إن جده ووالده كانا يعملان في مجال العطور.
وراثة العطور
وقال فريس: إن والدي اعتاد غالبا أن يحضر عينات عطور للمنزل، ويدعني اجربها وأخمن ما هي الرائحة. لقد كانت مجرد لعبة.
وبعد دراسته للاقتصاد توجه فريس إلى جراس عاصمة العطور الفرنسية؛ من أجل تعلم كيفية صناعة العطور.
مهارة وإبداع
إن عمل صانع العطور هو مزيج من المهارة الفنية والابداع. ويقول فريس: يمكن مقارنته بعمل الموسيقى، فانه يتعين عليك أولا أن تتمرن على النوتة الموسيقية قبل أن تتمكن من العزف.
وفريس حاليا على دراية بحوالى 3000 وصفة لصناعة العطور، ويستخدم 600 وصفة منها بصورة منتظمة. وفريس ليس مهتما بصيحات الموضة، حيث قال: «إننى أصنع عطوري وأتمنى أن تحظى بإعجاب الناس». ويتكون «جوهر» أي عطر كما يقول فريس من حوالى 10 إلى 15 نوعا من المواد المركزة الاساسية المختلفة.
ويرجع الطابع المميز لأي عطر إلى إضافة المزيد من المواد «الإيسانس». ويحتوى أي عطر فى المتوسط على ما يقرب من 30 مادة معطرة أساسية، ولكن ليس هناك قواعد واضحة بالنسبة لذلك.
وقال فريس: إن آجلا أو عاجلا سوف تحين اللحظة، عندما يجب عليك ببساطة أن تتوقف «معترفا بانه لم يرض بصورة كاملة أبدا عن العطور التى يصنعها».
عطور نسائية
وأعرب فريس عن تفضيله لمزج العطور للنساء، حيث إن ذلك يعطيه مجالا أكبر للابداع.
وقال فريس الذي استعانت شركة صناعة العطور كارون، التي تتخذ من باريس مقرا لها؛ بخدماته خلال الأعوام العشر الماضية: «العطور الرجالية يجب ان تكون أكثر جفافا ونظافة ومباشرة». ولكن عند تصنيع عطور النساء فانه يطلق لنفسه العنان.
ووفقا لفريس فان الوقت لم يحن لتصنيع عطور ملائمة للجنسين، والتي من شأنها أن تحطم الحواجز بين الجنسين؛ ولذلك يبقى وضع الرجال لعطر ذي رائحة، به لمحة من الفراولة أو الجوز هند محظورا في الوقت الحالي. ومع ذلك يعتقد فريس أن ذلك سوف يتغير مع الزمن.
ويوضح فريس بان «كل عطر يعتمد على شخصية صانعه». مضيفا أن الحكم على مدى جودة العطر هو مسألة شخصية للغاية.
ولا يعتقد فريس بوجود العطر الكامل الذي سعى بطل رواية العطر للوصول إليه دون جدوى.
ولكنه فى الوقت نفسه يرغب فى تصنيع «عطر عالمي» يأسر جميع الناس، بحيث يقولون: «من الآن فصاعدا لن أستخدم عطراً أخر».
