بينما يزداد الطلب على الفنادق والمطاعم في مدينة فينسيا أو (البندقية)، كما عرفت في الثقافة العربية، تلبية للطلب المتزايد لاحتياجات السائحين نجد أن صناع الجندول، وسيلة الانتقال الأساسية في مدينة الجسور والقنوات، يقاتلون من أجل الحصول على مكان لإنشاء ورش لصناعة ذلك القارب الفريد التقليدي ذي المجداف الواحد.
بالرغم من هذا فإنه لحسن الحظ لا تزال هناك بعض الأماكن التي يوجد بها ورش لصناعة الجندول التقليدي الذي اشتهرت به البندقية خاصة في منطقة (سان تروفاسو)، والتي تبدو مثل كوخ في جبال الألب حيث نجد المبنى كله مصنوعا من الخشب ويمتد على طول القناة في (دوروسودور) في فينسيا، حيث لا تزال تمارس هذه الحرفة التي يتجاوز عمرها المئة عام.
معقل صناعة الجندول
ويعود تصميم (سكويرو) أو حي صناعة قوارب الجندول إلى القرن السابع عشر، عندما جاء النجارون وأحضروا الأخشاب إلى البندقية من مدينة (كادور) في مقاطعة الدولوميت، وترجع كلمة سكويرو إلى كلمة سكويرا التي تعني الفريق في الإيطالية بلهجة البندقية، ويقال على سبيل المثال فريق من بناة السفن، واليوم يعد السكويرو أحد أهم الأبنية في سان تروبوزو، ويحظى بأهمية تاريخية ويتمتع السائحون بالقيام بجولات سياحية به، فهي واحدة من أشهر الورش المتخصصة في بناء جندول البندقية الشهير.
رخص تجارية
يقول كريستيان دورديت (27 عاما) أصغر مصنعي الجندول في المدينة والمعروف باسم (مايسترو الفأس) إن «الوضع يجب أن يتغير إذا كانت البندقية جادة في الحفاظ على تراثها»، موضحا «المشكلة الرئيسية تكمن في عدم وجود مساحة كافية للناس لممارسة حرفتهم».
ويبتسم دورديت بينما يتذكر مفارقة أن مطالبته بتوفير المكان تبدو متناقضة مع واقع تناقص عدد السكان بشكل متزايد في المدينة، ويحكي دورديت كيف يتم استخراج الرخص التجارية لإقامة الورش بصعوبة بالغة، في حين أن رخصة لإنشاء مطاعم البيتزا وغيرها من الأنشطة السياحية تتم بسهولة أكبر .
يصف دورديت الـ (سكويرو) بأنه مستودع في سان جوزيبي يقع على مسافة ليست ببعيدة من المدخل الرئيسي للبندقية والقناة الكبرى، موضحا أن الطريق إليه بأنه مثل المتاهة فهو من أضيق الطرق في رحلة الجندول.
قوة الجندول
ويعمل دورديت حوالي من 11 إلى 12 ساعة يوميا ويشاركه في ورشته الصغيرة والده وعمه، والرحلة من ورشة دورديت الى الاسكويرو تكون صعبه للغاية بالجندول، حيث يجب التعامل جيدا مع الأمواج العاتية التي تجعل القارب يتحرك مسرعا عند منطقة الليدو، كما يجب أن يواجه قائد الجندول شريط الرمل الذي يعتبر حاجزا طبيعيا بين البحر الأدرياتيكي والبحيرة.
والاختبار الحقيقي لقوة الجندول تأتي في سبتمبر، حيث تبدأ الليدو مهرجانها السينمائي السنوي (مهرجان فينسيا)، نظرا لأن حركة المرور في المياه تكون كثيفة للغاية، بسبب توافد نجوم الفن السابع وعشاق السينما من جميع أنحاء العالم لحضور أحد أهم أعراس السينما في أوروبا.
تدابير الرحلة الآمنة
ويتذكر دورديت أن الجندول بالنسبة لقائده مثل الحذاء بالنسبة للقدم يجب أن يكون مناسبا، فعند بناء الجندول يؤخذ في الاعتبار ارتفاع ووزن الجندول قبل بنائه .
ويستخدم في بناء الجندول ثمانية أنواع مختلفة من الأخشاب منها الصنوبر والبلوط والماهوجني، ويستغرق بناء جندول حوالي من 25 إلى 30 شهرا، حيث يتكون الجندول من 300 قطعة من الخشب ويتراوح سعره بين 25000 إلى 33000 دولار، حسب نوع الأخشاب المستخدمة.
وعن محصلة إنتاج دروديت يقول «بنيت حتى يومنا هذا 12 جندولا حيث بدأت هذه الصناعة بحماس متأجج منذ مراهقتي». ويفتخر دورديت بأنه تتلمذ على يد أكثر المعلمين شهرة في البندقية، أمثال جيانفرانكو فيانيللو والشهير بإسم بيانيللو .
حلم الطفولة
يوضح المايسترو «لقد كان حلمي دائما أن يكون لي ورشة خاصة بي أعلم فيها الشباب الصغار المهتمين بصناعة الجندول».
ويوجد حاليا 425 جندولاً لملكية خاصة على طول قنوات البندقية، كما تملك الحكومة عشرة قوارب من الجندول الأكبر حجما، ويدير قوارب الحكومة اثنان من الرجال لنقل الركاب على طول القناة.
ويحاول دورديت مع مجموعة من فناني صناعة الجندول (الحرفيين) إقناع المسؤولين بالسماح لهم بإنشاء ورش للعمل وإنشاء سكويرو جديد في جزيرة (جيديسكا) والتي تشكل جزءا من (دسودورو)، ومع هذا وعلى الرغم من جهود دورديت ورفاقه فإن مساعيهم لم تكلل بالنجاح حتى الآن.
ويصف دورديت شعوره تجاه عمله بأنه يتسم بشاعرية كعبور القناة في وقت الغسق، وهي الساعة التي ألهمت الشاعر المصري علي محمود طه، قبل أكثر من سبعة عقود ليكتب قصيدته الخالدة «الجندول»، التي غناها مطرب الجيل، الفنان الراحل محمد عبد الوهاب. ويختم المايسترو حديثه قائلا «ولدت في البندقية وعشت بها طوال حياتي ولا زال جمالها يدهشني».
مدينة القنوات
جدير بالذكر أن مدينة البندقية، أو فينسيا أو (مدينة القنوات) أو (مدينة الجسور) أو (ملكة الأدرياتيكي)، ترجع إلى العصر اليوناني القديم، وتقع في شمال إيطاليا، وتمتد جزرها الـ 118 التي تربط بينها قناة البندقية على طول البحر الأدرياتيكي، وتعتبر من أجمل المدن التي شيدها الإنسان عبر العصور.
كانت البندقية القوة البحرية الرئيسية أثناء العصور الوسطى وعصر النهضة ومنطقة انطلاق الحروب الصليبية، وكذلك مركزا مهما جدا للتجارة (وخاصة الحرير والحبوب وتجارة التوابل) بالإضافة لكونها مركزا فنيا ثقافيا هاما، خلال الفترة بين القرن الثالث عشر وحتى نهاية القرن السابع عشر. وتشتهر البندقية أيضا بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الاوبرالية، والتاريخية، وأشهر أبنائها في هذا المجال هو أنطونيو فيفالدي.
