منذ وضعها في حيز الخدمة قبل أشهر عدة لا تبدو «منارة دمشق» المرتفعة في ساحة باب توما أحد أبرز الأحياء القديمة في الشرق الأوسط، جذابة للناظرين أو مقصداً سياحياً للزائرين، ولعل ابرز الموانع لذلك، وجودها في مفترق للطرق السريعة، قبل أن يدور حولها جدل لناحيتي قبولها أو رفضها جمالياً.
يقول الدكتور عبد الناصر ونوس، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والذي كان من ضمن مجموعة المشرفين على تصميم المنارة إن العديد من الطلاب المبدعين أسهموا في الأفكار، وكان العمل جماعياً، واستغرق الانتهاء من تصميم العمل الطوعي وقتا طويلا، وجاء نتيجة العصف الفكري لعمل الفريق ككل.
تشجيع المبدعين
ويضيف الدكتور ونوس أن «الخطوة، كعمل فني وجمالي أراد أن يحاكي واقع حي باب توما المطل على المنارة، كما كان الهدف تشجيع الطلاب على أن إبداعهم يمكن أن يأخذ المصداقية العالية من كون التجربة ستوضع في حيز التطبيق وسيشاهدها اكبر عدد من الناس وهنا بيت القصيد كما يقال، لأن المنارة جاءت من ضمن مشروع تأهيل سور باب توما ولم تكن كمشروع مستقل، أي عودة النظافة إلى منطقة سياحية أهملت لفترة طويلة بينما نجدها اليوم أنيقة ومرتبة وأكثر جاذبية وكأنها جددت شبابها.
قيمة جمالية
ويشير الأكاديمي السوري إلى أن المنارة قدمت من خلال وجودها كنصب تذكاري وسط العاصمة دمشق قيمة جمالية لها ما لها من رمزية ودلالة، التي جاءت جميعها وتضافرت الجهود لترسيخ ثقافة التطوع لدى الشباب السوري.
وينقل ونوس عن الطلاب الذين عملوا تحت إشرافه: لقد تم تنفيذ المنارة بالطريقة القديمة نفسها التي كان أهالي دمشق يصنعون بها جدران مساكنهم، تدكيك القنب وخيوطه في مفاصل الإسمنت الأبيض بشكل محكم، وهذه الطريقة تقليدية ومعروفة.
كما أن الزجاج المكسر والملون هو إحدى هويات المهن التي كانت موجودة لدى أهل الشام، وهنا أيضا تركيز على خصوصية الحالة، الطلاب حاولوا أن يترجموا كل شيء تقليدي في حي باب توما على أرض الواقع، وهو ما حصل بأقرب شكل ومضمون ممكن، لذلك أقول إن العمل ليس كاملا لكنه ثمرة جهود جماعية.
جهد طلابي
أما النحات السوري المعروف مصطفى علي فهو يرى أن المنارة كجهد طلابي تطوعي جيدة ومهمة وعلى الرغم من وجود ملاحظات فنية على العمل إلا أنها أصبحت اليوم احد المعالم التي تلفت الانتباه، وكنت أتمنى أن يدرس موضوع الحديقة المحيطة بأسفل المنارة بشكل أفضل جماليا، لقد أكثروا العناصر المحيطة بها، وهذا افقدها روح جمالية وشتت التركيز وقلل من المستوى الجمالي، لكن بالشكل العام فالمنارة، تدريجيا أصبحت تدخل في النسيج العام لمحيطها وبدأت جميلة كحالة تدلل على تكريس مبدأ العمل التطوعي للطلاب.
أما الحكومة السورية فإنها تعتبر أن مفهوم العمل التطوعي لدى الشباب هو جهد إضافي يؤكد الاندماج مع العمل التنموي الذي يصبّ في خدمة المجتمع، وبناء قدرات ومهارات المتطوعين وتحقيق المساهمة والتشاركية من قبل كل شرائح المجتمع.
أوصاف السارية
ويبلغ طول سارية نصب منارة دمشق 14 متراً صنعت بعض أجزائها من الموزاييك الدمشقي، وتحمل 60 جرساً بأحجام مختلفة كتب عليها تاريخ دمشق بالرموز أبوابها السبعة، حيث تعبّر عن رسالة حضارة وسلام من الشام. وتدور أحاديث رسمية حول المنارة التي ترسل ضوءاً ليزرياً بلون اخضر ليلاً يغطي معظم حي باب توما ويدلل على أنها مزجت بين روح سورية شبابية خالصة مع أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.
رمزية المنارة
يقول الفنان التشكيلي بسيم الريس وهو من سكان حي باب توما: المنارة شكلها الخارجي قد يبدو جميلا في جانب ما، لكنها ليست كذلك بشكلها الإجمالي فهي عمليا تبدو وكأنها خارج روح وجمالية المكان القريب إليها، فخطوطها الفنية قاسية ولا تناسب البيئة التقليدية، ثم إنها وضعت في نقطة جغرافية هي تقاطع طرق للسيارات، يصعب على الراغبين الاقتراب منها.
أو التمتع بها والتصوير بجانبها، إذ إن جغرافيا المكان ليس للسير على الأقدام، هناك عدة ساحات في دمشق في الآونة الأخيرة بدأت تشكل ضيقا جماليا على الناس خاصة ساحة العباسيين أو سور مبنى التلفزيون الحكومي المطل على ساحة الأمويين، والسؤال هو ألا يرعى عند تحديث هذه الساحات رأي السوريين واخذ انطباعاتهم بعين الاعتبار، في كل مكان بالعالم يرعى الرأي العام، لكن لعل ابرز رمزية للمنارة هي تكريس وتشجيع ثقافة التطوع في المجتمع السوري لاسيما لدى الشريحة الشبابية وهذه مسألة مهمة جدا.
ويرى الدكتور ونوس ان «منارة دمشق» تجسد تاريخ وثقافات وحضارات مرت على دمشق التي كانت ولا تزال منارة للثقافة العربية والعالمية.
بعض الطلاب المتطوعين في انجاز النصب أكد ان العمل التشكيلي مستوحى من البيوت الدمشقية القديمة المتلاصقة مُعتمدة على إضافة ألوان مختلفة تعكس من خلالها حميمية دمشق القديمة وسكانها، وحسب تعبيرها فإن هذه الورشة سلطت الضوء على أهمية هذه المنطقة وان المنارة مستمدة في شكلها من سور دمشق القديمة، في محاولة لمقاربة الإحساس اللوني الحقيقي الذي صُبغ به الجدار جراء تعاقب الزمن عليه.
