عندما شرع الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، ببناء الجامع الأموي في القرن الأول الهجري... تحدث إلى أهل دمشق قائلاً: (تفخرون على الناس بأربع خصال، تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم... فأحببت أن يكون مسجدكم الخامسة)... وقد بر الوليد بوعده فبنى لأهل دمشق مسجداً ظل رمزا من رموز مدينتهم التي لا تمحى... رغم كل ما مر على دمشق من مصائب وحرائق وزلازل وغزوات ومحاولات تدمير... لكن هذا لم يمح بطبيعة الحال مفاخر دمشق الأخرى التي ظلت تتميز بها حتى عهد قريب، ومنها حماماتها... التي اشتهرت في الشرق كله. يقول نعمان أفندي قساطلي في كتابه (الروضة الغناء في دمشق الفيحاء) الذي وضعه في ثمانينيات القرن التاسع عشر(أجمع الذين ساحوا في جميع أنحاء الممالك العثمانية وبعض الديار الشرقية، على تفضيل حمامات دمشق عن غيرها لما فيها من الإتقان والنظام والهندسة وغزارة المياه وإتقان الخدمة والإكرام، والاعتناء وبخس الأجرة بالمغتسل).
ومن الطبيعي أن يتحدث القساطلي عن غزارة حمامات دمشق بالمياه، في زمن كان فيه بردى بفروعه السبعة يروي بساتين ودور دمشق، وتتدفق مياهه عبر الطوالع الحجرية إلى الخانات والسبل والحمامات التي جعلت من الماء عنصر نظافة وعنصر زينة في آن واحد، والواقع أن الدمشقيين أبدعوا في بناء حماماتهم، والإضافة إليها على مر عصور، حتى جعلوا منها روائع للفن الإسلامي في طرز عمارتها وفخامة أبنيتها وغناها بالزخارف والنقوش...رصعوا جدرانها بالقيشاني، ورصفوا أرضها بالرخام، وعقدوا على أطراف قبابها عقود الجص النافرة برسوماتها وزيناتها، كما أقاموا البحيرات التي تتشامخ فيها نوافير المياه على أشكال بديعة أخاذة. وتتميز جميع حمامات دمشق بوجود بحيرات تزينها في وسطها ومصطبات عالية لجلوس الزبائن عليها، كما يعلوها سقف مرتفع مع قبب يدخل الضوء منها من خلال فتحات كثيرة عليها زجاج خاص من تصنيع قزازي دمشق ويطلق عليها (القمرات)..
البراني لاستقبال الزبائن
أول ما يواجه الزائر إلى الحمام ما يسمى (البرّاني) وهو يضم مصاطب مرتفعة للجلوس، تتوسطه بركة تتدفق فيها المياه الباردة لتلطيف الجو، وهو معد لاستقبال الزبائن ونزع ثيابهم، وللاستراحة بعد الانتهاء من الاستحمام وارتداء الملابس النظيفة، ومن ثم الاستعداد إلى الخروج للشارع. أما (الوسطاني) فهو قسم معتدل الحرارة ومتصل بالبراني، ويجلس فيه رواد الحمام للراحة أو إزالة الشعر أو تناول الطعام... في حين يعرف (الجواني) بحرارته العالية...لأن فيه يتم الاستحمام، وهو يتألف من عدة مقاصير، كل مقصورة عبارة عن غرفة فيها جرن يصب فيه أنبوبان أحدهما للماء الساخن والثاني للبارد. وقد يوجد أكثر من جرن في المقصورة التي يمكن أن تحجزها أسرة بكاملها، أو مجموعة شبان... فتغلق بستارة تمنع دخول سواهم. ويضاف إلى هذه الأقسام مستودع كبير مجاور للحمام يدعى (القميم) بتشديد الميم، وهو يضم الموقد الملاصق لمستودع المياه لتسخينها، ومستودع تجميع الوقود... ويعرف الرجل الذي يقوم على هذا الموقد بـ (القميمّي) وهي إحدى المهن التي كانت شائعة في دمشق... ومن الطريف أن بائعي الفول كانوا يستفيدون من عمل (القميم) في تسخين مياه الحمام، من أجل طهي الفول المدمس... عبر وضع قدورهم الكبيرة المملوءة بالفول، بجوار موقد القميم طوال الليل، بعد إحكام إغلاقها، فينضج الفول جيدا وعلى نار هادئة ما يعطيه مذاقاً لم توفره وسائل الطهي الحديثة!
طقوس الحمام
وكان الناس يرتادون هذه الحمامات ليمضوا وقتاً هنياً في الاغتسال، وفي تناول الطعام والاستشفاء من بعض الأمراض، ويحيون فيها بعض مناسباتهم الاجتماعية، وهذا ما يفسر المثل الدمشقي:( نعيم الدنيا الحمام)
ولم يكن يخلو حي من أحياء دمشق الكبرى من وجود حمام أو أكثر فقد اعتبر الحمام لفترة طويلة مرفقاً أساسياً لا بد من وجوده في أي حي مثل الجامع أو الفرن (المخبز)... وقد كانت الحمامات تستقبل الرجال صباحاً ومساء طلباً للطهارة أو النظافة، فيما تستقبل النساء من الظهر وحتى قبيل المغرب ضمن شروط خاصة تحرم دخول الرجال أو حتى اقترابهم من إدارة الحمام... الذي يتحول إلى حرملك تنفرد فيه النساء.
حمامات نسائية
ويختلف طقس ارتياد الحمام بين الرجال والنساء... فالرجال باستثناء بعض المناسبات الخاصة كـ (حمام العرس) يرتادون الحمام بشكل عفوي، يخلو من الإعداد المسبق... إلا إذا تداعى مجموعة من الشباب أو الأصدقاء إلى الذهاب إلى حمام السوق بناء على اتفاق خاص، عندها يتحول الحمام إلى نشاط جماعي لا يخلو من بعض أوجه الترفيه... أما بالنسبة للنساء فالطقس الاجتماعي يبدو أكثر غنى وثراء.. فالحمام بالنسبة للنساء، كان يلعب دور المقهى بالنسبة للرجال... أكثر من ذلك، شبهه بعضهم بالمنتدى الاجتماعي والترفيهي، الذي يحتل حجز الزاوية في مجموعة من المناسبات الاجتماعية النسائية..
58 حماماً متفرقة
ونعود إلى المؤرخ نعمان أفندي قساطلي، من القرن التاسع عشر الميلادي... لنتوقف عند ما أحصاه من حمامات... قساطلي من مسيحيي دمشق، وكتابه (الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء) وثيقة نادرة في تقديم صورة المدينة من وجهة نظر أبنائها المسيحيين، ولهذا يقدم لنا وصفاً هاماً لإحدى حمامات حارة النصارى يقول وعدد حمامات دمشق 58 حماما متفرقة في أنحاء المدينة ما عدا الحمامات المتناثرة في قرى ما حول دمشق... أشهرها حمام الخياطين وحمام القيشاني وجدرانه مصفحة بالقيشاني، وحمام النوفرة وموقعه بالقرب من الباب الأموي الشرقي، وحمام المسك وهو أتقن الحمامات وأجملها، موقعه في حارة النصارى، جدده بعد سنة 1860 المرحوم متري شلهوب،
وهناك حمام الورد الواقع في وسط سوق ساروجة خارج سور المدينة القديمة، وتشهد السوق حركة سياحية نشطة وكذلك الحمام الذي لم يتبق غيره يعمل في السوق، حيث هناك حمام الجوزة في حارة جوزة الحدبا بساروجة والمقابل لمقاهي ساروجة الشهيرة، وهو مبنى مغلق وآيل للسقوط ويحتاج لأعمال ترميم سريعة..
وهناك أيضا حمام الخانجي قرب سوق الهال القديمة في الجهة المقابلة لشارع وجسر الثورة..
وهناك حمام العفيف الذي كتبت على لوحة في مدخله عبارة: «من يطلب العافية من رب لطيف فليقصد حمام العفيف»..
ومن حمامات دمشق أيضا حمام السروجي في حي الشاغور، وحمام الشيخ حسن في منطقة السويقة في الطريق المتجه من باب الجابية التاريخي ..إلى باب مصلى جنوبا.
وهناك حمام عز الدين في منطقة باب سريجة التاريخية التي ترتبط بمنطقة باب الجابية..
ومن الحمامات أيضا حمام القرماني قرب ساحة المرجة الشهيرة وجسر الثورة، وكانت تحيط به سوق العتيق، ولكن بعد إزالة السوق وتحويل منطقتها إلى مسطح أخضر ظهر هذا الحمام بشكل واضح وببنائه الواسع الجميل، وأعيد ترميمه في السنوات الثلاث الماضية ليفتتح أبوابه أمام السياح والزوار، وما يميز هذا الحمام الذي ظل يعمل حتى أواخر تسعينات القرن الماضي، وفي حي العمارة القديم داخل السور هناك(حمام أمونة) الذي مازال يعمل على طريقة الوقود الخشبي.
ومن حمامات منطقة باب توما الشهيرة هناك حمام البكري .. وفي منطقة باب توما أيضا وفي بداية الشارع المتجه إلى باب السلام أحد أبواب دمشق الأثرية السبعة، يوجد حمام (الشيخ رسلان) في حارة الجوزة، وعمره يتجاوز 800 سنة.. ويتميز الحمام بالمحافظة على تراث الاستحمام مع إدخال خدمة الساونا . ... والبخار إليه ليتلاءم مع العصر، وتبلغ مساحته نحو 700 متر مربع.
روائع العمارة الدمشقية
يشير باحثون مشاركون في تظاهرة (حمامات) التي يرعاها الاتحاد الأوروبي، إلى أن دمشق كانت تضم حوالى 60 حماماً، يعد بعضها من روائع العمارة الدمشقية. لكن لم يبق منها سوى 16 تعمل حتى الآن، فبعضها غيّر وظيفته أو أهمل والبعض الآخر قيد الترميم وإعادة التأهيل، فيما هدم ما تبقى.
ومن الطبيعي أن تتناقص أعداد الحمامات العامة في دمشق مع اختلاف الحاجة إليها... لكن قيمة أبنية الحمامات المعمارية والأثرية، تجعل من الضرورة الحفاظ عليها كإرث حضاري... ولعل هذا ما جعل الدمشقيون يبتهجون بعملية ترميم حمام (نور الدين الدين الشهيد) في سوق البزورية أشهر أسواق دمشق القديمة، حيث يتوسط الحمام السوق المذكورة، ويعتبر من أقدم حمامات دمشق، حيث بني في العهد الزنكي، وفي بدايات القرن العشرين أهمل حتى عام 1975 لتنطلق أعمال ترميمه،و دخل الحمام الدمشقي أرشيف التراث الشعبي، حين خصص له حيز واسع في متحف التقاليد الشعبية في قصر العظم، واستحضرت عمارة الحمام الدمشقي وطقوسه عبر مجسمات تروي بكثير من الحنين المستعاد الطريقة التقليدية التي كانت سائدة في ارتياد الحمام واستخدامه.
