جبالٌ مرتفعة ومتعرّجة، أميالٌ من الرمال والصخور، لا أثر لأيّ حياةٍ كانت بشريّة أم حيوانيّة، هذه هي الصورة التي ينقلها لنا الإعلام عن أفغانستان. يصوّرها وكأنّها الأرض الأكثر قسوة، فمن يسير في طرقها يُمكن أن يرى قاعدة صاروخيّة لطالبان خلف كلّ صخرة، ورجالٌ ملثمون سينقضّون عليك إذا ما اقتربت من الكهوف التي يتخذون منها منازل لهم. إلا أنّ في هذه الأرض البعيدة، هنالك نفحاتٌ من الجمال تُثير الرجفة في النفوس، ولا سيّما في الناحية الشمالية الشرقية من البلاد.
تبرز هذه الناحية الجماليّة بمساحة جدارٍ كبير في مبنى المتحف البريطانيّ بالعاصمة لندن، ضمن الوقفة الأولى لجولة معرض «أفغانستان: مُفترق العالم القديم»، سيزور فيها 9 عواصم غربيّة من ضمنها باريس وواشنطن.
يعتبر هذا المعرض بمثابة انقلابٍ على الصورة الدارجة، فبعيداً في تلك الأرض التي تُصوّرها لنا شاشات التلفزيون بأنّها مُقفرةٌ وموحشة، هنالك رهافةٌ وجمال استثنائيّان، وهما دلالتان على أنّ تلك الأرض، أرض أفغانستان، ليست مجرّد ساحة صراعات، بل إنّها مهدٌ لحضاراتٍ غابرةٍ تركت أثرها على التاريخ. وإن لم يكُن القدر قد سمح لتلك الحضارات بالوجود معنا في أيّامنا هذه، فتبقى تركتُها حاضرةً بين أيدينا، وتنتقل عبر أكبر العواصم العالميّة لتتحدّث بلسان من صَنَعها.
قبل حوالي ألفي عام، وُضُعت فتاةٌ عمرُها 20 عاماً في تابوتٍ وأُنزلت تحت الأرض، إلى جانبها آلافُ القطع الذهبيّة، أقراطٌ وأساور، تيجانٌ ومشابكُ مزيّنة بأحجار الفيروز، مشابك للشعر وخلاخل، ومئاتٌ من الاكسسوارات الذهبيّة الملحقة بأثوابٍ حريريّة وُضعت إلى جانبها. من هذ هذه الفتاة، وإلى أين كانت تعتقد نفسها ذاهبةً مع هذه الكميّة من المتاع؟
لا يُمكننا الوصول إلى كلّ هذه الحقائق، ولا حتّى معرفة القليل عن هذه الفتاة وأولئك المدفونين إلى جانبها يُرافقهم متاعهم الباذخ كاملاً في منطقة «تالياتبة» في أفغانستان في القرن الأوّل من تاريخ ما بعد الميلاد. يُقال إنّهم كانوا من البدو الرحّل، وللغرابة مع هذه الفئة من النّاس شوهدت كنوزٌ استثنائيّة، من ضمنها التاج الأكثر غرابةً في العالم، القابل للطيّ كي يسهل حزمه ساعات الرحيل.
في الحقيقة، لا يُمكن لكلمة استثنائيٍّ، على الرغم من عظمتها، أن تصف مظاهر التاريخ الأفغانيّ المعروضة في المتحف البريطانيّ. فهل يُمكنكم أن تتخيّلوا أن تحت هذه المدينة، يقبع ركام مدينة إغريقيّةٍ كاملة، فيها مدرّجٌ أولمبيّ وقاعاتٌ رياضيّة ومعابد وقصور ضخمة. تلك هي المدينة التاريخيّة المعروفة باسم «آي خانوم»، بُنيت بالقرب من «باختريا»، إحدى أهمّ مناطق الحكم الإغريقيّ آنذاك، والتي اضطرّ الجيش إلى السير عاماً كاملاً قبل الوصول إليها ليتمكّن من فتحها.
قاعدةٌ هذه المدينة اكتشفها عالم آثار فرنسيّ سنة 1960، ويُمكننا اليوم تخيّل ما كانت عليه تلك المدينة عبر تصميم حاسوبيّ، موثق بنهرٍ وحدود جبالٍ وجُدران عملاقة. كلها تعرض لحضارةٍ باذخةٍ كانت حيّةً هناك في يومٍ من الأيّام.
وبالقرب من منها مدينة «باغرام»، مصيف ملوك سلالة كوشان، الذين وصل نفوذهم إلى ما يُعرف الآن بأوزبكستان وطاجيكستان، وبعض المناطق من شبه الجزيرة الهنديّة. وتُظهر هذه اللُقى التي تمّ اكتشافها في المنطقة ذاتها أن هاتين المدينتين كانتا مُلتقى طُرق التجارة شرقاً من الصين وغرباً إلى روما.
فهنالك كأسٌ من الزجاج المصقول، مُستوحًى من مواسم حصاد التمر، صُنع في مصر الإغريقيّة، وسافر عبر البحر الأحمر والمحيط الهنديّ إلى الهند، ومن هناك عبر آلاف الأميال ليعود إلى «باغرام» مجدّداً. هذا الكأس ليست إلا دليلاً على أنّ العولمة هي ظاهرة مُغرقة في القدم.
التجارة في تلك العُصور لم تقتصر على حاجات الأكل والشراب، فقد تنوّعت لتكون دليلاً على أنّ حضارة أفغانستان آنذاك، اتّسمت بالترف مع توافد التجّار عليها باللبان والمرجان واللازورد والفيروز واللؤلؤ الأزرق أو المعدّات الفضيّة من الجزيرة العربيّة، والعقيق من شمال إفريقيا.
أغلب المعروضات كانت قد فُقدت من المتحف الوطنيّ بكابل بين العامين 1992 و1994، وتمّ الاعتقاد بأنّها فُقدت إلى الأبد، إلى أنّ وقعت عينا تاجر تُحفٍ من لندن عليها في أحد الأسواق العالميّة، وتمكّن بخبرته من تمييزها، ولعب الوساطة في إعادتها إلى المتحف الوطنيّ بكابول. وقد استعان لدفع تكاليف إعادة الشراء بمنحة «ميريل ليتش» للحفاظ على الآثار من «بانك أوف أميركا».
بين العديد من المعروضات، تبرز قطعٌ كانت تُستخدم في تزيين الأثاث المنزليّ، تحتاج الكثير من الترميم كي يتمكّن الرائي من تقدير جماليتها. ومن بين هذه القطع، نذكر سنّادتي أريكة مصنوعتين من العاج، وعليهما نُحتت صورٌ متطابقة لشخصيّاتٍ تاريخيّة عاشت في الهند.
قصصٌ كثيرةٌ شأن التي قُمنا بذكرها سابقاً، تروي حكايا معروضاتٍ تاهت عن حاضرها وماضيها، ومن ثمّ اكتشفت طريق العودة موطنها. الكثير منها لم يتمكّن من النجاة، إلا أنّ القليل الباقي يدين بحياته إلى عشّاق الفنون في أفغانستان. أولئك الذين خاطروا بأرواحهم كي يتمكّنوا من حماية كنوز البلاد من التحطيم على أيدي المتشدّدين الذين رأوا في هذه التماثيل والقطع الأثريّة تهديدٌ لسلطتهم.
أوّل القطع المعروضة يرسم الإيقاع الذي سيسير عليه المعرض، تمثالٌ بلا أيدٍ أو أرجل، وقسم من البطن مفقودٌ أيضاً. وإلى جانبه تُعرض صورةٌ قديمة للتمثال، ومكتوبٌ تحتها «التمثال قبل أن يدمّره طالبان سنة 2001». مجرّد تعليق تعليميّ، الهدف منه شرح الحالة، إلا أنّه يرمي لإيصال رسالةٍ قاسية بحقّ.
ومن ضمن المعروضات أيضاً شريط مصوّر في فترة الاحتلال السوفييتي، يصوّر عمليّة قصفٍ دمّرت واحداً من المواقع الأثريّة الرئيسيّة. ويُرافق الشريط المصوّر صوت معلّقٍ يقول: «هذه هي أفغانستان وقد تحوّلت إلى ساحة حرب بدلاً من أن تكون ساحةً للحضارة الإنسانيّة».
والمطّلعون على تاريخ أفغانستان في القرن التاسع عشر، يعوون بأنّ المعرض لا يتحدّث إلا عن فترةٍ قصيرةٍ من تاريخ ذلك البلد الذي أضنته الحرب. إلا أنّ الكثير من المواد الموجودة في المتحف البريطانيّ هذه الفترة، تمّ اكتشافها بين العقدين الثالث والسابع من القرن الفائت، على الرغم من أنّ مستكشفين بريطانيين نظّموا حملةً استكشافيّة إلى أفغانستان في عشرينات القرن التاسع عشر.
يجدر الذكر بأنّ الروس أيضاً أسهموا في الحملات الاستكشافيّة لتاريخ أفغانستان، ولا سيّما في مدينة «تيبي فولول»، الذي يعود تاريخه إلى الألفيّة الثالثة قبل الميلاد. وتقع هذه المدينة في أقصى شمال أفغانستان، بالقرب من مناجم اللازورد، المكان الذي وُجدت جرارٌ كبيرةٌ وكثيرة مملوءة بالذهب والفضّة سنة 1965، ويحتوي المعرض من تلك البقعة على ثورٍ يُشبه آثال «ميسوبوتاما» القديمة، يعود تاريخ صنعه إلى الألفيّة الرابعة قبل الميلاد، أولى الحضارات القائمة في تلك البقعة من العالم، والتي يُمكن تتبّعها.
ليس هنالك حدودٌ للأثر العالميّ على المواد الموجودة في المعرض، حيث توجد فيها صبغة آسيوية وأُخرى شرق أوسطيّة. يُظهر هذا التداخل الحضاريّ الواضح على خطوط الآثار في المتحف أن سكّان أفغانستان القدماء كانوا رحّالةً من الطراز الرفيع، حضاراتهم ازدهرت ومن ثمّ اندثرت، وأراضيهم منحتهم غنًى لا مثيل له، ومن ثمّ أقفرت وتحوّلت إلى جبال جرداء لا حياة فيها. وعلى الرغم من أنّ الحرب لا تزال مشتعلة فوق أراضي أفغانستان، إلا أنّ هذا المعرض يمثّل منارة من الأمل.
