دمشق مساءً، المدينة القديمة تغمرها الحركة، سياح وزوار من كل الأرض، البيوت والشوارع اعتادت حركة الزوار من حولها، يصرخ شابٌ من بعيد مؤكداً لأصدقائه على مكان تلاقيهم ..«لاقونا ع القشلة» . والقشلة لمن لا يعرفها هي حديقةٌ صغيرة، تقع في نهاية شارع الحجر المفضي إلى ساحة باب توما، وبداية شارع الأمين في قلب مدينة دمشق القديمة، هذه الحديقة التي كانت مهملة، أعادت محافظة دمشق ترميمها، وبدأت فيها عدة فعاليات، فساعد موقعها في المدينة القديمة، إضافةً إلى الحركة السياحية في هذه المنطقة من دمشق على ازدهار الحديقة التي صارت مكاناً لكل اللقاءات، وبالتحديد الشباب.
يجتمع زياد خير 22 سنة مع أصدقائه بشكل شبه يومي في القشلة، ويسهرون حتى ساعات الصباح الأولى: «هذا المكان جميل في وسط المدينة القديمة، وبين أسواقها، وبصراحة هو أرخص من السهر في الأماكن العامة الأخرى أو المطاعم، طالما الأركيلة معنا، ماذا نريد أكثر؟».
أصبحت القشلة في الفترة الأخيرة مكاناً يجتمع فيه كثير من الشباب، ليس فقط ممن يحبون الأركيلة في الهواء الطلق، إنما أيضاً عازفون وموسيقيون، هكذا يحمل حسام شريف 19 سنة عوده كل مساء ليأتي إلى الحديقة، حيث تعرف إلى سامر عازف رق وديالا، وبدؤوا يتدربون على أداء أغان وألحان مشتركة، ربما سيشهد هذا المكان انطلاقتهم من هنا.
لقاء دائم
يقول حسام: «كنت آتي لأعزف هنا واجتمعت مصادفةً بسامر وديالا، بدأنا نعزف ونغني بشكل عفوي، اجتمع بعض الأشخاص من حولنا وقد أعجبهم ما سمعوه، هكذا صرنا نلتقي بشكل شبه دائم في هذه الحديقة، ربما مستقبلاً سنؤسس فرقة تنطلق من هذا المكان في أولى حفلاتها» .
أجواء المكان ساعدت كثيراً من الشباب كي يلجؤوا إليه، فمحبو موسيقا الراب والهيب هوب، التي تلاقي بعض الرفض في المجتمع صار لديهم زاويتهم الخاصة في الحديقة، ليلتقي في القشلة وبشكل شبه يومي خاصةً أيام الصيف سام وبوب وميدو، يعزفون ويرددون أغاني لا تبتعد عن هموم جيلٍ شاب تنادي المجتمع بفهمه وتحسين نظرته إليه، كما تدعو لتحسين وضع الشباب الاقتصادي والمعيشي، ولا تخلو بعض الأغاني من حمل مفاهيم كبيرة كالحرية والظلم والسلام وغيرها...
ينعم رواد المكان بمساحةٍ للتعبير وسط مدينة تعبق بالتاريخ، وربما تساعد مساحة الحديقة الصغيرة والتي تشبه حديقة منزل في لحظة من اللحظات على إقامة صلاتٍ حقيقية بين روادها الدائمين، فكثير من الناس وبالتحديد الشباب الذين يرتادون الحديقة انعقدت بينهم صداقات وعلاقات ومصالح أيضاً.
يقول أندريه سليم عن المكان: «سافرت إلى باريس منذ العام 2004، وأذكر هذا المكان بشكل جيد لأنني من أبناء الحي، لم أكن أتخيل أن أعود لأراه يعج بالحياة هكذا، فاجأتني الحركة وحماس الشباب الذين يرتادونه، أصبحت آتي إلى هنا دائماً، حتى أني تعرفت إلى كثير من الأشخاص في هذا المكان». ثم يقول مازحاً: «هذا المكان صار أشبه بموقع فيس بوك، لكننا في دمشق نجحنا في خلق علاقات حقيقية، وليس فقط عبر شبكة الانترنت» .
مختلف الأعمار
رواد المكان من مختلف الخلفيات والأعمار شباب وطلبة ثانويات وعائلات وطلبة جامعيون وسياح، يجمعهم هذا الاعتياد على مكان مفتوح للجميع، لتنعقد حلقةٌ هنا يتعرف فيها سياح أجانب إلى شباب سوريين، وفي جهةٍ أخرى تجتمع مجموعة تتناقش وتعلو أصواتها، أما في زاويةٍ ثالثة فهناك من يغني غير مكترثٍ بعلو صوته أو بنقاشات الجيران الحادة.
يقول معتصم رافع (طالب جامعي) ضاحكاً : «أتمنى لو يتحول هذا المكان إلى هايد بارك ذي نكهة سورية، الكل يتحدث هنا، والجميع يعلو صوته، ويستطيع أي من رواد المكان أن يلتقي أشخاصاً مختلفين ربما لا يجمعه بهم سوى أنهم موجودون في القشلة فقط» .
مشروع موسيقي
مساء الجمعة في عطلة نهاية الأسبوع، يكون أكثر تميزاً في الحديقة، إذ تقام حفلات موسيقا على الطريق، هذا المشروع الذي بدأ في دمشق منذ أكثر من عام، يجتمع فيه عدد من الموسيقيين والعازفين ليقدموا موسيقاهم في الأماكن العامة والحدائق، وبالتأكيد تأتي حديقة القشلة على رأس هذه الأماكن، نظراً لعدد روادها، فيتم التنسيق بين مجموعة موسيقا على الطريق ومحافظة دمشق لإقامة حفل أسبوعي في المكان، هذه الحفلات بدأت مع الموسيقا والغناء، لكنها ما لبثت أن تطورت بعد أن لمس المنظمون إقبال الجمهور الكثيف، فقرروا إدخال فنونٍ أخرى على أمسيتهم الأسبوعية، حيث قدمت عروض مسرحية، إضافةً إلى عروض رقص تعبيري ومعاصر وعروض سينمائية، ولم تقتصر المشاركات على الفرق السورية، إنما استقبل مسرح المكان الصغير فرقاً عالمية، رآها الجمهور السوري للمرة الأولى واستمتع بها مجاناً وفي الهواء الطلق، وسط أجواءٍ تمتزج فيها حميمية الناس بحميمية المكان في دمشق القديمة.
ملجأ مهجور
لا تقتصر فعاليات ونشاطات هذا المكان على السطح!، فأسفل الحديقة كان ملجأً مهجوراً، وبالتعاون بين مؤسسة النحات مصطفى علي ومحافظة مدينة دمشق، استلم علي الملجأ من المحافظة، ضمن مشروعه الهادف إلى تحويل الملاجئ في المدينة إلى أماكن بديلة تقام فيها فعاليات ونشاطات فنية وعروض مسرحية مختلفة، وذلك بحسب طبيعة الملجأ وشكله واختلاف تصميمه.
وساعد شكل الملجأ الواقع أسفل حديقة القشلة علي أن يحوله لصالة تعرض الأعمال الفنية، وهنا يقول: «أتت الفكرة عندما بدأت محافظة دمشق بالتعاون مع مؤسسة المام التي تعمل على ترميم الأماكن الأثرية في المدينة القديمة، فاستلمت مؤسستنا الملجأ من كلا الطرفين القائمين عليه، وارتأينا أنه يصلح كي يتحول لصالة تعرض فيها الأعمال الفنية للفنانين التشكيليين، وأطلقنا عليها تسمية رواق القشلة» .
حتى الآن ضمت صالة رواق القشلة مجموعة من المعارض المختلفة لفنانين سوريين، منها معارض تصوير ضوئي ومعارض رسم وفنون تشكيلية مختلفة، ربما يأتي أهمها معرض النحاتين السوريين الشباب الذي أقيم بعد ورشة عمل بالتعاون مع مؤسسة النحات مصطفى علي.
ويخطط علي إلى أن يكون معرض النحاتين الشباب قائماً بشكل سنوي كي نساعد على تقديم مواهب وأسماء جديدة تنطلق من هذا المكان، خاصة في ظل قلة صالات العرض التي تقدم أسماءً شابة أو تتبنى مواهبها.
كما يطمح علي مستقبلاً إلى إقامة معارض متنوعة في هذا المكان تضم الرسم والنحت والتصوير والفيديو آرت، وليس فقط لأسماء من سوريا، إنما يهمنا استقبال تجارب عربية وعالمية أيضاً، خاصةً أن طبيعة المكان المفتوح أمام الجميع وفي أغلب ساعات النهار تساعد على تواصل الجمهور مع هذا المشروع الفني والثقافي.
هكذا تضم الحديقة الصغيرة في قلب المدينة القديمة والمفتوحة لجميع روادها، مختلف أشكال النشاطات والفعاليات الفنية، من موسيقا ومسرح ومعارض فنية وتشكيلية، وحتى عروضاً رياضية، إضافةً إلى تجمعات الشباب التي باتت جملة: «لاقونا ع القشلة» أمراً يومياً اعتيادياً بالنسبة لها، ففي هذا المكان يلتقي الجميع مع ما يريدون من اهتماماتهم المختلفة، ومع من يريدون من أشخاص مختلفين كانوا أو متفقين فيما بينهم، لكن الجميع بكل تأكيد متفق على مكان واحد وهو حديقة القشلة فقط لا غير.
