عندما تهبط شمس الشتاء لتغطس في مياه المحيط الأطلسي تقول مجموعة السكان المقيمة في منطقة الساحل بمنتجع لا بلايا وداعا للنهار بإجراء طقس خاص بها. ويشمل هذا الطقس دق طبول البونجو على شاطىء جزيرة لا جوميرا وهي إحدى جزر الكناريا بينما تعزف مجموعة أخرى من الموسيقيين على مزمار الكلارينت والجيتار، وبهذه المناسبة يمارس فنان رشيق لعبة رمي الكرات في الهواء ثم التقاطها بسرعة، وبعد ذلك يقوم هذا الشاب وهو حافي القدمين وقد ضفر شعره في ضفيرتين على النمط الأفريقي وقد بدا شكله كالهيبز بأرجحة حبل تشتعل فيه النار في الهواء الذي يموج بالدفء وتفوح فيه رائحة ملح البحر.
رائحة قوة الزهور
ومع ذلك لا تزال رائحة قوة الزهور وهو شعار يرمز إلى السلام انتشر في الستينيات من القرن الماضي تفوح في هواء لا بالايا التي تقع في فالي جران راي وهو وادي يعني اسمه بالإنجليزية وادي الملك العظيم ويقع في الجنوب الغربي من جزيرة لا جوميرا التي تطبع الشمس القبلات على جبينها، وتعد المنطقة واحدة من المعاقل الأخيرة لحركة الهيبيز الأصلية، ولا يبدو أن الأشخاص الذين يأتون إليها بانتظام قد فقدوا سلوكهم الذي يتسم بالاسترخاء والهدوء على مر السنوات، وتستحم السيدات عاريات الصدور على الشواطئ ذات الرمال السوداء المليئة بالحصى ثم يخرجن من المياه مع غروب الشمس حين وقت الاستمتاع بالشراب وبالسجائر الملفوفة يدويا.
اللعب بالنار
وعندما ينتهي الفنان الذي يلعب بالنار من أداء العرض الذي يقدمه يلقي المتفرجون ببعض العملات داخل قبعته الملونة، وعلى أية حال ينبغي الإبقاء على هذه الألعاب التراثية على قيد الحياة، وقد جاءت مجموعة من الشباب التي تنتمي إلى حركة الهيبيز والمعارضين لحرب فيتنام الذين يعتنقون مبدأ نشر السلام والحب في العالم إلى هذه الجزيرة التي تنتمي إلى جزر الكناريا وذلك في نهاية الستينيات من القرن الماضي، ولم تكن هذه المنطقة قد شهدت حتى هذا الحين أية زوار إلا فيما ندر.
وفي ذلك الوقت كانت حرب فيتنام على أشدها، وكان الأمريكيون والكنديون أول من جاء ليستقروا على جزيرة لا جوميرا وأقاموا مخيمات ببساطة على الشاطئ الواسع في فالي جران راي وعاشوا عدة أشهر وسط التشكيلات الصخرية الغريبة ذات الحواف الصلبة والحادة المنتشرة على الساحل.
وتقول ديانا كلايتون وابتسامة رائعة ترتسم على شفتيها إن الحفلات التي كنا نقيمها تحت ضوء القمر المكتمل أسطورية كما كانت جيدة في توسيع المدارك والوعي، ووصلت كلايتون إلى لا جوميرا قادمة من لندن ولا زالت تستعيد بحماس ذكريات الأيام الخوالي.
وخطت كلايتون وهي سيدة ضئيلة الجسم تصفف شعرها الذي تطرحه وراء ظهرها بطريقة ذيل الحصان أولى خطواتها على الجزيرة عام 1970، وكانت هذه الرحلة بالنسبة لها مغامرة وهي في سن السابعة عشر.
وتتذكر كلايتون قائلة إن سفينة البريد غادرت جزيرة تينيرايف أكبر جزر الكناري عند منتصف الليل واستغرقت رحلتها ثمان ساعات لتصل إلى سان باستيان، وفي ذلك الوقت لم يكن يوجد ميناء وتم إخراج الركاب من السفينة للأرض عن طريق رافعة.
العودة الى الجذور
وكان الطريق إلى فالي جران راي مرصوفا بالأحجار، كما كان يقود عبر قمم عالية ووديان حول ملاك المزارع الصغيرة منحدراتها إلى أماكن لزراعة المحاصيل، وتشير السيدة كلايتون إلى أن الأهالي كانوا يأملون في العودة إلى جذورهم وتحقيق نوعية من الحياة بعيدة عن التمدين.
وكافأت الجزيرة المستوطنين بغابات من أشجار الغار ومزارع الموز والوديان الضيقة إلى جانب مناطق تعرضت للتصحر وصحاري مزدانة بالصخور، وسيجد السياح المحدثون ممرات لممارسة رياضة المشي بين المرتفعات ذات علامات جيدة وطرق مرصوفة بقطع الأحجار تحمل علامات تحذيرية من الصخور المنهارة، وكانت الظروف مختلفة في الماضي، ويمكن حتى اليوم رؤية بعض الصلبان الخشبية التي تمثل علامات تشير إلى المكان الذي فارق فيه بعض الحجاج السابقين الحياة.
وانتهى المطاف بمعظم الهيبيز إلى فالي جران راي وهي قرية لصيد الأسماك يبدو أن عجلة الزمن فيها توقفت عن الدوران، وتقول ديانا كلايتون إنهم عندما وصلوا إلى هذا المكان اعتقدوا أنهم وصلوا إلى نهاية العالم.
حياة خشنة
ولا زالت بعض الأشياء باقية من فترة الحرية حيث لا يزال بعض أفراد مجموعة الهيبيز يعيشون بطريقة تتسم بالخشونة في منطقة الخليج، وتأتي الشرطة مرة كل عام لإبعادهم عن المكان، ولا يتم السماح بإقامة خيمة بدون تصريح في لا جوميرا، كما لا يتم السماح بدخول سيارات الكارافان والكلاب إلى الشواطئ، وفي فصل الشتاء تصل مجموعات منظمة من هواة ممارسة رياضة المشي وسط المرتفعات للقيام بجولات سريعة ومنعشة في التلال، ويعني تحسين تسهيلات الميناء أن لا جوميرا أصبحت ميناء يستحق زيارة سفن الرحلات.
وعلى الرغم من موجات التغيير إلا أن ثاني أصغر جزيرة من جزر الكناريا السبع نجحت في الاحتفاظ بسحرها، ولا توجد فنادق ضخمة أو عالية مثل التي توجد في تينيرايف وجران كاناريا، ويمضي السائح النمطي في لا جوميرا ليلته داخل شقة.
وتتمتع لا بلايا بخليط متعدد الألوان من الفنادق التي تجثم فوق الصخور مثل قطع البناء التي يستخدمها الأطفال في اللعب وتحيط بها أشجار النخيل وبساتين الموز، وتوجد في وسط لا بلايا حانة شعبية تصدح من داخلها بانتظام موسيقى أبناء لا جوميرا الأصليين التي تعبر عن الطريقة التي يتواصلون بها بعضهم ببعض عن طريق الصفير في الوديان وبين التلال وهي موسيقى يبدو صوتها حادا وغريبا إلى حد ما.
والحانة اسمها فيلا كاسا ماريا فيلا وتوجد بها مجموعة من الغرف والشرفات، وتعد واحدة من الأماكن القليلة التي يختلط فيها السكان المحليون مع الضيوف، وتدير المكان السيدة ماريا جونزاليز / 84 عاما/ منذ الستينيات من القرن الماضي، وعندما سئلت عن الرواد الهيبيز اختلست النظر إلى الخف المصنوع من اللباد الذي تضعه في قدميها وقد ارتسمت على وجهها نظرة تنم عن الحرج.
واعتاد الرجال والنساء على أن يرقصوا معا وهم عرايا على الشواطئ، وتقول ماريا إنهم كانوا يعتبرون ذلك مدهشا جدا، وتشير إلى أن ذلك كان وقتا صعبا وكانت تضطر إلى أن تراقب بكل دقة الأطباق التي قدم فيها طعام العشاء، ويبدو أن الهيبيز كانون مغرمين بعدم دفع ثمن الوجبات كما كانوا معتادين على فيلا التقاط فضلات الطعام فيلا.
