تحتفي محافظة نابل التونسية، 90 كيلومترا جنوب العاصمة تونس، خلال كلّ ربيع بشجرة النّارنج، التي تجود في هذا الفصل بأزهار بيضاء زكيّة الرائحة يقع تقطيرها لاستخراج ماء «الزّهر» (التسمية المحليّة لأزهار النّارنج في تونس) وزيت «النيرولي» النّادر المستخدم في صناعة أرقى أنواع العطور في العالم.
وتنتمي شجرة النارنج إلى فصيلة الحمضيات (مثل البرتقال والليمون) وتعرّف علميّا باسم «سيتروس أورانتيوم» (citrus aurantium) ، وهي شجرة معمرة ودائمة الخضرة يمكن أن يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار.
وتشبه النارنجة شجرة البرتقال إلى حدّ كبير لكنّ أزهارها أكبر حجما وأزكى رائحة من أزهار البرتقال، أمّا ثمارها فأصغر حجما وهي شديدة الحموضة وكثيرة البذور . وتتميز ثمار النارنج بقشرتها الخشنة ذات اللون البرتقالي المشوب بالأخضر أو الأصفر.
من الصين إلى الأندلس فتونس
أظهرت مراجع تاريخية أن جنوب شرق آسيا وتحديدا الصين هي الموطن الأصلي للنارنج وأن الفاتحين المسلمين أدخلوا «النارنجة» (اسم شجرة النارنج) إلى شمال إفريقيا ثم الأندلس التي انتقلت منها الشجرة فيما بعد إلى بعض دول جنوب أوروبا مثل فرنسا.
وكانت زراعة النارنج ازدهرت بشكل كبير في مدينة إشبيلية الاسبانية حتى أطلق على النارنجة اسم «برتقال إشبيلية» . وقد اعتمد الأندلسيون أزهار هذه الشجرة في صناعة العطور التي كانت وقتئذ تستخرج من الزيوت الروحية للورود وزهور الحمضيات.
وأسهم الأندلسيون الذين حلّوا بتونس في القرن 15 ميلادية في تطوير زراعة النارنج، وخصوصاً في محافظة نابل ونقلوا إلى التونسيين طرق تقطير أزهار الشجرة لاستخراج ماء الزهر وزيت النيرولي.
ولا تزال العائلات النابليّة، نسبة إلى محافظة نابل، وخصوصا في مدن بني خيار ونابل ودار شعبان الفهري، التي توجد بها 65 في المئة من حقول النارنج في المحافظة، تحافظ منذ أكثر من خمسة قرون على عادة تقطير الزهر الموروثة عن الأندلسيين.
موسم الزهر
يكتسي موسم جني وتقطير الزّهر أهمية اجتماعية واقتصادية بالغة في محافظة نابل إذ يشغّل سنويّا ثلاثة آلاف عائلة بالمنطقة ويوفر لها عائدات مالية بنحو أربعة ملايين دولار.
وينعقد سنويا اجتماع بمقر محافظة نابل يحضره ممثلون عن كل الأطراف المعنية بالموسم ويتمّ خلاله تحديد موعد جني الأزهار وضبط أسعار بيعها في الأسواق. ويشارك أغلب أفراد العائلة في عمليات جني أزهار النارنج. ويتعيّن فقط قطف الأزهار غير المتفتّحة دون سواها لأن الأزهار المتفتّحة غير صالحة للتقطير.
ويبلغ اليوم عدد أشجار النارنج في محافظة نابل 122 ألفا و500 شجرة موزّعة على حقول تمسح 440 ألف هكتار. ويوجد 65 في المئة من مجموع الأشجار بثلاث مدن هي نابل وبني خيار ودار شعبان الفهري.
وتنتج هذه الأشجار سنويا ما بين 1000 و1200 طن من الأزهار وقد يصل الإنتاج إلى 1500 طن إذا كان فصل الشتاء ممطرا.
ويتم توجيه نسبة 60 في المئة من محصول الأزهار إلى ستة مصانع مختصة في تقطير ماء الزهر بطرق آليّة فيما تباع الـ40 في المئة المتبقية في الأسواق لربّات البيوت اللاتي يقطّرنها باستعمال «القطّار» التقليدي.
طريقة التقطير
يفضل التونسيون ماء الزهر الذي تقطّره ربّات البيوت في المنازل بواسطة القطّار التقليدي ويقولون إنه أفضل نكهة من الزهر المقطّر في المصانع.
وقبل تقطير الزهر تجفّف النسوة أزهار النارنج طوال يومين كاملين حتى تفرز الزيت وتكون نكهته ماء الزهر المستخرج منها جيّدة.
توضع الأزهار في وعاء نحاسي يستعمل للتقطير ويسمى «القطّار» ويضاف إليها الماء بمعدّل 7 لترات لكل 2 كيلوجرام ونصف الجرام من الأزهار، ثم يوضع فوقه غطاء يغلق بطريقة محكمة. توقد نار الحطب أو غاز الطهي تحت القطاّر إلى أن يغلي الماء وتنبعث منه بخار يسمّى روح الزهر.
ويكون غطاء القطّار موصولا بأنبوب يربطه بقارورة بلورية تسمّى «فاشكة» (قارورة بلوريّة دائرية الشكل وذات عنق طويل يحتفظ داخلها بماء الزهر).
يمرّ الأنبوب عبر إناء مملوء بالماء البارد وبذلك يتحول البخار المنساب في الأنبوب إلى قطرات ندى تسقط في الفاشكة تباعا إلى أن تمتلئ بماء الزهر. ويتم تغيير ماء الإناء البارد باستمرار لتثليج البخار وتحويله إلى قطرات ماء.
أرقى أنواع العطور
ويتم استخراج زيت النيرولي النادر، الذي يستخدم في صناعة أنواع عالمية رفيعة من العطور، داخل ستة مصانع موجودة بمدن نابل وبني خيار ودار شعبان الفهري. وقد تأسس أقدم هذه المصانع سنة .1903
ويمكّن تقطير طن واحد من أزهار النارنج بالطريقة الآلية (داخل هذه المصانع) من توفير 600 لتر من ماء الزهر وكيلوجرام واحد من زيت النيرولي، وتعدّ محافظة نابل من أهمّ منتجي ومصدّري زيت النيرولي في العالم. وتصدّر المحافظة سنويا ما بين 500 و700 كيلوجرام من هذا الزيت النادر الذي تصل أسعاره في الأسواق الخارجية إلى 4500 دولار للكيلوجرام الواحد.
ويقول خبراء العطور إن زيت النيرولي النابلي من بين الأجود في العالم، وتستورد مدينة غراس الفرنسية (جنوب فرنسا) الشهيرة بصناعة العطور الفاخرة أغلب كميات زيت النيرولي النابلي. ووصف الفرنسي جون بول جيرلان (Jean-Paul Guerlain) وهو من أشهر منتجي العطور الراقية في العالم في كتاب بعنوان «طرق عطوراتي» زيت النيرولي النابلي بأنه «ممتاز» وقال إن هذا الزيت صار من المكونات الرئيسية للعطور التي تنتجها مصانعه.
وكان جيرلان اضطر في شتاء سنة 1955 الذي تجمّدت فيه كل أشجار النارنج في الساحل اللازوردي بفرنسا (بسبب موجة البرد والثلوج التي غمرت المنطقة) إلى السفر إلى نابل لشراء زيت النيرولي. ومنذ ذلك التاريخ يزور جيرلان محافظة نابل بانتظام خلال موسم تقطير الزهر لشراء النيرولي التونسي.
