المكان يعرفه الجميع في دمشق، مقهى الروضة في وسط شارع العابد، والطاولة الصباحية على يسار الداخل إلى المقهى في جزئه الأول، أما الطاولة المسائية فلا يفصلها عن الأولى إلا جدار بنوافذ كبيرة، لكن من هو هذا الشخص الذي سكن هاتين الطاولتين منذ ثلاثين عاماً؟ ببساطة أي زائرٍ لمقهى الروضة يعرفه، ويجيب على السؤال بسرعة إنه: «أبو حالوب».

ثلاثون عاماً قضاها الرجل الخمسيني منذ وصوله إلى دمشق في هذا المقهى، يصل عند التاسعة صباحاً وفي يده الجريدة، ليجلس على طاولةِ الصباح التي لا يفارقها إلا قليلاً، يخرج حوالي الثالثة ظهراً كي يتناول وجبة غدائه، ثم يعود في الرابعة إلى طاولةِ المساء ليغادر المقهى عند العاشرة والربع ليلاً، ساعات النهار يقضيها بين الأصدقاء، فطاولته باتت محج كل العراقيين سواء القادمين من بغداد أو من المنافي، فإذا أرادوا السؤال عن أحد أقاربهم أو الاسترشاد إلى منزل يستأجرونه، فلا بديل لهم عن الرجل، الذي يعرف أخبار كل العراقيين وهو جالس في مكانه.

ولكن ما الذي بقي من بغداد في ذاكرة الرجل؟ الذي طغى اسمه (الحركي) على اسمه الحقيقي (لبيد):« بغداد باتت مرحلة بسيطة من عمر طويل، اليوم هي مدينة مهجورة اسمها بغداد، ولم تعد مدينةً لحلمٍ جميل.»

هناك في بغداد لم يكن لأبي حالوب غير اسمه الحقيقي لبيد، وكان لبيدٌ شاباً يحلم كغيره من الشباب بالوطن والسياسة، فانتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، لأن حلماً بالتغيير راوده يوماً ما، ولكن ما الذي بقي من حلم التغيير هذا اليوم:« كانت مجرد أحلامٍ مع الأسف، هذه بلدانُ أحزانٍ عجيبة، فنحن لم نستطــــع تغييــــــر شيء، وبقــــي الحلم في مكانه.» يصمت قليلاً ثم يتابـــع حديثه بلهجــــةٍ عراقيـــةٍ صافيــــة، لم تغيـــــرها سنوات دمشق :«زين عيني اسمعني» ليحرّف بيت الشعر ويقول بضحكةٍ ساخرة لا تخلو من ألم:« خرائب قومٍ عند قومٍ خرائب.» فهو اليوم لا يرى من العراق الذي حلم به أيام شبابه سوى الخراب.

عام 1975 خرج من العراق إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، ليدرس الطباعة في سان بطرس بورغ والتي كانت تسمى لينين غراد، الرحلة استمرت ثلاث سنواتٍ، اكتسب خلالها اسمه الجديد الذي سيغدو علامته الفارقة فيما بعد، فاتخذ لقب (أبو حالوب) وهو يعني البرد أو ما يسمى حب العزيز، مستوحياً اسمه من شتاء روسيا البارد ومطرها وثلجها، هذا الاسم سيدل على لبيدٍ طوال الأيام المقبلة، فهو لن يعود إلى بغداد، بعد رحلة الدراسة، إنما سيستقر في دمشق، ولكن لماذا دمشق رغم أن إمكانيات السفر كانت متاحة في تلك المرحلة أمامه:« أنا شخصياً لا أعرف لماذا لم أسافر، أما اختيار البقاء في دمشق، يعود ربما إلى قرب بيئتها منا نحن العراقيين، وربما لأنها غدت محطةً هامة في تفاصيل حياة كثيرين ممن تركوا العراق خلال سنواتٍ طويلة.»

في مدينة دمشق اختار أن يبقى في مقهى الروضة لأنه:« كبيتٍ صغير يذكرني ببغداد دوماً، رغم أنه كان بإمكاني تغيير المكان.»

على مدى ثلاثين عاماً اجتمع له مع العراقيين والسوريين علاقات وصداقات مميزة، فكل المثقفين العراقيين يمرون بطاولته، وحتى رجالات السياسة لو قدموا إلى دمشق يمرون بأبي حالوب، وصولاً إلى أي قادمٍ من بغداد، هكذا يمازحه بعض الأصدقاء أن الأمم المتحدة أو السفارة العراقية تستطيع الاستعانة بالرجل، لكثرة ما لديه من معلومات عن العراقيين في دمشق أو في المنافي، أما المشهد الثقافي العراقي فلديه علاقةٌ مع غالبية الأسماء فيه، لأن أحد العراقيين لم يمر يوماً بدمشق إلا وزار أبا حالوب وطلب منه نصيحةً أو خدمةً، أو سأله عن قريب أو صديق أو عن كيفية السير بمعاملةٍ رسمية، أو عن منطقة يسكن فيها تتناسب ووضعه المعيشي، لدى الرجل إذاً صور وحكايات وقصص عن كل من زار دمشق أو سكن فيها، إذ يكفي الجلوس إلى طاولته أقل من ساعة حتى يسلم عليه أو يجالسه أكثر من شخص قادم من العراق، أو يقطع الحديث معه رنين هاتفه، ليجيب عن استفسار أحدهم حول قضيةٍ ما، فيشعر مجالسه أنه أمام (مختص بالشؤون العراقية) لكن من نوع مختلف، لا يقتصر تخصصه على السياسة فقط إنما يتعداه لمعرفة أخبار الوسط الثقافي، من سيقيم معرضاً من الفنين التشكيليين؟ أو من سيطبع كتاباً أو مجموعةً شعرية؟ أو من توفي أو تزوج سواء كان يقطن في دمشق أو بغداد أو في أحد المنافي التي هاجر إليها...

أول مرة تعرف فيها جمهورٌ واسع على تجربته، كانت من خلال ظهوره في فيلم (عراقيون في منفى متعدد الطبقات) عام 2008 للمخرج فجر يعقوب، الذي قدمه كأحد نماذج المنفى العراقي ليتعرف على تجربتهِ جمهورٌ عريض، لكن لدى أبي حالوب قصص كثيرة ويوميات طويلة من خلال جلوسه لساعات في المقهى على مدى ثلاثين عاماً، ورغم هذا فهو لا يفكر في توثيقها أو كتابةِ شيءٍ عنها، لا من خلال عملٍ أدبي ولا من خلال مذكراتٍ شخصية، لأنه ببساطة يعتبر أن :«الكتابة صعبة، وتحتاج إلى ظرف نفسي أكثر هدوءاً واستقراراً من الظرف الذي أعيشه بشكل يومي.» ويرى أن هذه القصص والأحداث التي يعرفها هي ملكٌ لأصحابها فقط، فهو لا يريد استثمارها إلا لإرشاد العراقيين إلى قريب أو صديق يبحثون عنه في دمشق، وهم متأكدون أن الجواب والعنوان موجود لدى أبي حالوب الذي يؤكد أن مصادر معلوماته أتت من:« علاقة أصبحت تاريخية مع الناس هنا ومع المكان، فأنا أعرف الجميع والجميع يعرفني، حتى أنهم يتركون أخبارهم عندي تحسباً لأي سائلٍ عنهم.» أي محاولةٍ لامتحان معلوماته لن تجدي نفعاً بالطبع، فأثناء الحديث تعمدت سؤاله عن أحد أصدقائي من الشعراء العراقيين المقيمين في سوريا، وكنت على علمٍ مسبق أنه في زيارة قصيرة لبغداد، لكني سألت :« أين هو هل مر بك لم أره منذ أيام؟لالا ليجيب:لالا ذهب أول أمس في زيارة إلى بغداد سيبقى عشرة أيام، تقريباً بعد أسبوع سيعود.»

اليوم وبعد تجربةٍ تطول سنواتها لا ينظر أبو حالوب إلى تجربته كفردٍ فقط إنما يعتبرها:«جزء من تجربةِ جيل انهزم بالكامل، ولم يبق لديه إلا الدفاع عن أشياء كان يحلم بها، لأن اللعبة التي دارت من حولنا ولا زالت تدور أثبتت أنها أقوى وأكبر من الجميع.» ثم يستطرد في الحديث عن المستقبل فيصف نفسه بـ:« المتشائل، لأن المرحلة صعبة وإنجاز المستقبل أمر صعب أيضاً على الجميع، لكن هذا لا ينفي الحلم والأمل بالأفضل.»

الجالس إلى طاولته يخطر في باله أن يسأله عن طموحه في العودة إلى العراق، لكنه يقابل هذا السؤال بالرفض القاطع، ويعود ليؤكد على عبارةٍ قالها سابقاً :«أشتري غربتي بمليون دولار.» ولكن لماذا؟ « لأن بغداد لم تعد كما كانت مدينة للحلم، تغيرت وتحتاج إلى سنين حتى تعود إلى مدينة عرفتها يوماً.»، مع هذا فهو يؤكد أنه يسعى إلى السفر، ولا يوجد لديه (فيتو) على أي بلد لكنه لن يعود إلى العراق، وربما يترك في يومٍ من الأيام مقهى الروضة الدمشقي الذي يعيش فيه منذ ثلاثين عاماً، ولا يفارقه إلا ليلاً إلى منزلٍ في حي الدويلعة على أطراف دمشق، فهل يستطيع ترك طاولتيه وزواره والانتقال إلى مكانٍ آخر؟ ، هو يجيب بتأكيد قدرته على فعل ذلك، ربما يومها لن يحمل معه سوى الذاكرة المملوءة بثلاثين عاماً من القصص والصور والذكريات، وسيحمل أيضاً ثلاثة أبياتٍ من الشعر قالها فيه الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري عندما رآه مع والده طفلاً في بغداد ولم يتجاوز العاشرة لينشده:

ألبيد عشت الدهر عمر لبيد غض الصبا ألقاً طري العود

أهديك من شعري عز وليدة زفت إليك وأنت خير وليد

ألبيد نحن الأسبقون معابر لممر جيل من ذويك جديد