نواجه جميعا لحظات نقاوم فيها الرغبة في الصياح غضباً أو إلقاء الحذاء عندما نشاهد في برامج التلفاز شيئا يثير فينا مشاعر الغيظ. وقد واجهت إيشتر باشتور هذه اللحظات عندما شاهدت «الحرس المجري»؛ وهو منظمة قومية متطرفة شبه عسكرية وهي تنظم أول تجمع حاشد لها في حي القلعة بالعاصمة بودابست في صيف 2007، وتقول باشتور: «إنني لا أستطيع أن أتصور أن المجتمع المجري يمكن أن يكون بمثل هذا الغباء».
وبدلا من إطلاق الرصاص أو إلقاء الحذاء، فإن السيدة باشتور التي اكتشفت في نفسها طاقات للعمل الاجتماعي وجدت قنوات للتنفيس عن غضبها عن طريق السعي للبحث عن الأسباب الكامنة وراء حدوث المناظر التي شاهدتها، وأن تضطلع في النهاية بتنفيذ مشروع طموح لاستخدام الفن في محاولة لانتشال قرية مجرية نائية من الفقر المدقع.
القرية الجدارية
وأصبحت قرية بودفالنكي الواقعة في المنطقة الشمالية الشرقية من المجر التي ترزح تحت الفقر في طريقها للتحول إلى «قرية فنية» عبارة عن لوحة جصية جدارية عن طريق اللوحات الضخمة التي صارت تزين جدران منازلها ورسمها فنانون من طائفة (الروما)؛ وهي جماعة من القوم الرحل تشبه الغجر.
ويتعاون سكان القرية ومعظمهم من الروما لاستقبال السياح، حيث يعلقون آمالا على النشاط السياحي لتحسين أحوالهم المعيشية.
ويتوقع الكثيرون في المجر أن تفشل آمال السكان، وأحد الأساليب الأكثر نجاحا التي لجأ إليها اليمين المتطرف في المجر أخيرا هو استخدام العبارات الحماسية المناهضة للغجر وتصويرهم لطائفة الروما في المجر باعتبارها مجموعة من المجرمين الذين لا يمكن إصلاحهم يقومون بإرهاب المناطق الريفية من المجر.
تصحيح صورة الغجر
وقد فاز حزب جوبيك القومي وهو الذراع السياسية لمنظمة الحرس المجري هذا العام بثلاثة مقاعد من بين 22 مقعدا للمجر في البرلمان الأوروبي، وتواصل هذه المنظمة نشاطها، وتتمتع بقدر من التأييد الشعبي على الرغم من قرار للمحكمة بحظرها لانتهاكها حقوق الإنسان بالقرى التي يعيش فيها أفراد طائفة الروما، وذلك خلال مسيرة مناهضة ضد «جرائم الغجر».
وشرعت باشتور التي تدير وكالة للترجمة في بودابست وتصف نفسها بسخرية بأنها «مثقفة من بودابست» في إجراء أبحاث حول المشكلات التي تواجهها طائفة الروما في المجر، والتي يسعى الكثيرون إلى تحويلها إلى كبش فداء وتحميلها جميع المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المجر.
واكتشفت باشتور وهي تشعر بالصدمة المستويات المنخفضة التي يعاني منها أبناء الروما في مجال التعليم، والتمييز الذي يتعرضون له في سوق العمل، والمشكلة المزمنة المتمثلة في حيتان القروض الذين يفترسون أبناء طائفتهم.
وهذه العوامل مجتمعة أدت إلى تقوية العزلة الاجتماعية لطائفة الروما المجرية، واتصلت باشتور بمنظمات الروما وأطلعتها على خططها بإضافة لمسة لونية جمالية على إحدى القرى التي ضربها الفقر التي علمت بأحوالها، وقد طرأت هذه الفكرة على ذهن باشتور عندما رأت قرية في إفريقيا استخدمت الفن لجذب السياح إليها.
غرام قروي
وتقول باشتور إنها تلقت دعوة لدخول منطقة من المجر تنتمي إلى العالم الثالث لم تكن تعتقد بوجودها، وهي مثل معظم الأشخاص الآخرين لم تكن قد سمعت بقرية بودفالنكي، وتعترف بأنها وقعت في حب هذه القرية، وهو الشعور الذي دفعها إلى الإسهام في رفع المستوى المعيشي لسكانها.
وهي تمضي حاليا ما يصل إلى ستة أيام من كل أسبوع في العيش وسط السكان المحليين، والعمل بمساعدة حفنة من زملائها في تنفيذ مشروع «القرية الجدارية».
وأسهم فنانون آخرون من طائفة الروما المجرية في رسم الصور الزيتية الجدارية التي تصور الأساطير المتعلقة بأصل شعب الروما وعمليات العنف التي تعرض لها، ويأملون أن يسهم فنانون من دول أخرى بأعمال فنية لتحويل بودفالنكي إلى مركز أوروبي لثقافة الروما.
وينادي القرويون على السيدة باشتور بلقب «نيني»، الذي يستخدم للتعبير عن الاحترام الودود للنساء في متوسط العمر، وتمثل بودفالنكي كما تقول باشتور: «قوقعة» المشكلات التي يواجهها الروما في المجر، فهذه المجموعة العرقية تشكل ما نسبته 85 من سكان القرية الذين يبلغ عددهم 210 أشخاص.
ومعظم سكان القرية المجريين الذين لم ينزحوا منها متقاعدون، وجميع السكان الروما فيها تقريبا عاطلون، ويشكل الأطفال ما نسبته ثلث تعداد القرية، وعمدة القرية مجري لا يعيش فيها، وفي هذا الصدد ترى باشتور أن الوقت قد حان ليتولى هذا المنصب واحد من الروما.
أوضاع سيئة
وكان السكان المحليون ينظرون في البداية بعين الشك إلى هذه المرأة «المجنونة» التي جاءت ومعها خطة لرسم لوحات على جدران بيوتهم، وبعد ذلك بدؤوا في إدراك الإمكانات المتاحة للمشاركة في الأنشطة وعمليات التطوير؛ كلٌ وفق قدراته واهتماماته.
وعندما بدأت باشتور في العمل مع زملائها في هذا المشروع في الصيف الماضي، اكتشفت أن نحو 20 في المئة من أطفال القرية يتضورون جوعا، بينما يعاني 40 في المئة آخرون من سوء التغذية.
وتأمل باشتور أن ترى بالقرية مستقبلا أنشطة تجارية يمتلكها السكان؛ مثل مطعم، وربما في يوم من الأيام فندق صغير.
