على شواطئ جزيرة تاسمانيا الأسترالية، يأخذ متحف الفن القديم والحديث «مونا»، الذي أسسه المليونير الأسترالي ديفيد وولش، مكانه بالقرب من حافة أحد الجروف الرملية، ليبدو من الخارج كما الداخل، وكأنه قطعة مسروقة من عالم الخيال.

بين أسوار المتحف، يُمكن للزائر أن يتعرّف إلى معروضاتٍ ما كان يتوقّع رؤيتها في تلك البقعة من العالم، بعضها يحمل بصمة القرن الحادي والعشرين، كآلة صناعة الأوجه للفنان البلجيكي ويم ديلفوي، والبعض الآخر يعود بتاريخه إلى 5 آلاف عامٍ مضوا، والحديث هنا لابد نقصد به مومياءات الفراعنة الذين ما كانوا يتوقعون يوماً وصولهم إلى شواطئ تاسمانيا.

يمتد المتحف على مساحة تغطي 9 آلاف قدمٍ مربّع، وبهذا يكون أكبر المتاحف الخاصّة في أستراليا، حيث تعود ملكيته لديفيد وولش، عالم الرياضيات ومالك حقول الكرمة الذي يبلغ من العمر تسعة وأربعين عاماً.

من يعرف وولش، لم يكن ليحلم يوماً، بأن هذا «الطفل المضطرب»، كما يصف نفسه، يُمكن أن يكون شغوفاً بتجميع القطع الفنيّة النادرة. ولا نريد أن نقلّل من شأن وولش الطفل، فعلى الرغم من اهتمامه الذي وصل إلى حدّ الهوس بعلوم الكمبيوتر، إلا أنّ ديفيد كان يهرب من لقاءات الأسرة في بعض الأحيان، ليقصد متحف تاسمانيا للفنون، ويستمتع بمشاهدة معروضاته، حالماً بأن يمتلك يوماً ما شيئاً كالذي يُشاهده، ويُفصّله حسب مزاجه. فمتحف مونا برأي وولش هو معبدٌ علمانيّ، أو مخبر يُشرّح تاريخ الإنسان حتّى الوصول إلى العظام. حيث انّه يصنع الفنّ ليَروي عطش الناس، ويُمتعهم بالحتميّة البيولوجيّة. ولا نستغرب كلمات وولش، إذا عرفنا أنّه من أشدّ المعجبين بتشارلز داروين ونظريّاته.

بشغفه الغرائبيّ وغير المحدود، تمكّن ديفيد من جمع 2200 قطعة فنّية خلال السنوات العشرين الماضية. وتبلغ قيمة المقتنيات أكثر من 313 مليون درهم، من بينها عُملات أثريّة تعود إلى حضارة الإغريق، وأعمال فنيّة ابدعها روّاد الفنّ في أستراليا والعالم من القرن العشرين، شأن سيدني نولان وكريس أوفيلي وجان ميشيل باسكيات. ومن الممكن أن يدفع ديفيد مبالغ هائلة تزيد على 7 و10 ملايين درهم لاقتناء آنلسليم كيفر أو آرثر بويد. ولدى سؤاله عن مصدر التحف الأثريّة، يُجاوب وولش: أعرف دائماً إذا ما كان هنالك متاحف تُشارف على الإفلاس في أيّ مكانٍ في العالم، ولا بدّ يكون لديها ما يُثير إعجابي من آثار الحضارات القديمة.

يحتوي منزل وولش، المطلّ على نهر ديروينت، والذي اشتراه بقرابة 9 ملايين درهم سنة 1995، على 20 في المئة من مقتنيات المعرض. والوصول إلى المتحف أشبه بالتحدّي بعد دخول عُزبة ديفيد التي تتنتشر فيها 8 أبنية فاخرة، وملعب للتنس.

وللنزول إلى قاعة المتحف، لا بدّ من هبوط سلالم دائريّة بارتفاع أربعة عشر متراً، ترسم على وجه الزائر علامات الإعجاب رُغماً عنه، بالأخصّ بعد معرفته أنّ كميّة 60 ألف طنٍّ من الرمل قد تمّت إزالتها لتجهيز قاعات العرض.

لدى هبوط السلالم، يُمكننا أن نسمّي المتحف بــ «اللامتحف»، فالسنين الثلاث التي قضاها ملكه غلى جانب المعماريين في تجهيزه، تركت أثراً إيجابيّاً من غير حدود، يطبع على وجوه الزوّار علامات الإعجاب مع كلّ خطوةٍ يخطونها. بدءاً من الإضاءة الطبيعيّة، مروراً بالستائر الحمراء التي تلقي بظلالها على المعروضات، وصولاً إلى اللوحات، والتماثيل المعلّقةِ بحبال شفّافة تُظهرها وكأنّها معلّقة في الهواء. لا تتوقّف خفايا المتحف عن رسم خطوط الإعجاب أو الاستنكار أو المفاجأة الرهيبة على وجوه الزوّار، فلن تقع عينه في المتحف على تمثال برونزيّ رومانيّ عمره قرابة الألفيّ عام، وإلى جانبه جرّةٌ تحتوي رماد جسد والد ديفيد. قد تتنافى هذه العروض مع مفاهيمنا الاجتماعيّة، إلا أنّ ديفيد، وللغرابة، مؤمنٌ تماماً بأنّ والده، أيّاً كان مكانه الآن، سعيدٌ بأنّ بوجوده الرمزيّ إلى جانب تلك المعروضات المميّزة. وتناغم الماضي والحاضر لا يقف عند هذا الحدّ، حيث يحصل كلّ زائر لدى وصوله، على جهاز (آي بود) يشرح له بالتفصيل، تاريخ ومعنى كلّ قطعةٍ فنيّة.

ما يلفت النظر في المتحف أنّ وولش لم يعيّن أي قائمين عليه، وفريق العمل الذي ساعده في التجهيز هو صاحب الفضل في نجاح طريقة العرض. حيث يرى ديفيد بأن قيّمي المعارض يحصلون على اهتمامٍ إعلاميٍّ أكثر بكثير ممّا يستحقّون. والمتحف ليس له هيئة أوصياء أيضاً، على الرغم من كبر مساحته، حيث يريد مالكه أن تكون بصمته الخاصّة هي الحاضرة فقط، كيف لا! وهو العقل الذي استغرقه تجهيز هذا المتحف ما يزيد على عشرين عاماً.

ويبدو أنّ فريد ديفيد سعيدٌ بالمفهوم الجديد الذي يتبنّاه المتحف، حيث يقول مدير المتحف مارك فرايزر: لقد سأمنا بحقّ من تلك المكعّبات البيضاء التي تعمل على تصنيف المقتنيات في المتاحف. فأغلب المعارض التي ظهرت في عالمنا خلال القرون الثلاثة الفائتة، اعتمدت على المغالاة في التصنيف، ممّا أثار ملل الزوّار، ولم تعد تجذبهم، من ناحية خوض تجربةٍ فريدةٍ من نوعها. أمّا أسلوبنا البعيد عن التيّار العالميّ المطروق، يُثير إعجاب الزوّار، فيشعرون وكأنّهم يسيرون في شوارع ويُشاهدون معروضاتٍ ممتعة في واجهات المحلات.

قد يكون التميّز رائعاً، إلا أنّه يُثير في أنفسنا تساؤلاتٍ حول من قد ينتقل بطائرةٍ إلى تلك البقعة من العالم لزيارة المتحف. وولش يرى بأنّ متحفه سيصبح واحداً من أهمّ عوامل الجذب السياحيّ في أستراليا، ولا يهتمّ إلى جعله معلماً من معالم الفنّ في العالم. ويرى بأنّ مونا، متحف الفنّ القديم والحديث، سيصبح علامةً فارقة قد تكون تجاريّة، ولا سيّما بعد أن زار المعرض في الأسبوع الافتتاحيّ أكثر من أربعة آلاف وسبعمئة مهتم.