ليست هذه هي المرّة الأولى التي يزور فيها مصوّر مجلّة «ناشيونال جيوغرافيك» العالميّة، آيرا بلوك الإمارات، فقد درّب المشاركين بورشةٍ عملٍ عُقدت في منتجع «أنانتارا صير بني ياس» الربيع الفائت، وحسب قوله، كان لا بدّ له من العودة إلى هذه المنطقة، فهي بمثابة جنّةٍ لعشّاق التصوير. وهذا ما دعاه إلى العودة أخيرا ضمن ورشة العمل الثانية، التي نُظمت في منتجع قصر السراب بصحراء «ليوا». وبالحديث عن هذه التجربة، اعترف آيرا لـ «الحواس الخمس» بأنّ رمال الصحراء في هذه المنطقة هي سبب عودته المتكرّرة، حيث وصفها بالجذّابة للغاية في الصور.
يُقال إنّ لكلّ مصوّرٍ مجموعةٌ مفضّلة من العدسات يعتمد عليها للخروج بأجمل اللقطات، ويؤكّد بلوك تلك النظريّة قائلاً: «إذا أردت أن أتحرّك حاملاً آلة التصوير الخاصّة بي، لا بدّ أن يكون معي عدسة قياس 33 ميليمتراً، لأنّها أكبر سعةً ضمن حدود المعقول، فهي تُعطي خياراتٍ واسعة من اللقطات. في بعض الأحيان، وإذا أردت اصطحاب عدسة تقريب، أفضّل العدسة (24-105) ميليمتراً، إلا أنّها كبيرةٌ بعض الشيء. أمّا للصور العاديّة اليوميّة، فأُفضّل عدسات (35) ملم الثابتة، وعدسات (35) البؤريّة الثابتة أيضاً، التي يُساعد عامل التقريب فيها على تجهيز أيّ إطارٍ نُريد التصوير به».
وفي حين يرى البعض أنّ الفضل يعود لتقنيّة المعدّات وراء أروع الصور التي تحتلّ أغلفة المجلّات العالميّة، يُرجع بلوك المرتبة الأولى في الاختيار إلى العقل: «أظنّ بأنّ جواب سؤالك هذا هو العقل، فهو الجزئيّة التي تُفكّر وتٌخطّط لصورٍ أجمل، وإلى جانب آلة التصوير، ومختلف العدسات، أحبّ ثُلاثيّ القوائم، حيث أرى أنّه يُبطّئ حركة المصور، فيمكّنه من التفكير أكثر في خيارات الصورة، فضلاً عن أنّه الوحيد القادر على تثبيت الكاميرا في حال أردت أن أقلّل سرعة انغلاق مصراع الكاميرا (Shutter)».
لدى سؤاله عن عدد اللقطات التي يأخذها قبل أن يحصل على الصورة شبه الكاملة، يُجيب غلينا : يندمج المصوّر بعض الأحيان في تصوير موضوعٍ يحبّه، فلا يتوقّف قبل التقاط عشرات اللقطات، وفي أحيانٍ أُخرى يكون عليه أن ينتظر ظروفاً معيّنة كي تأخذ مجراها، شأن الإضاءة الطبيعيّة، قبل أن يلتقط ما نريده.
الهواية في البداية
علّم آيرا بلوك نفسه فنّ التصوير من خلال التجربة والبحث، ولكن عندما دخل الجامعة، عمل مع أحد المصوّرين الذي أصبح أستاذه الخاص، ومعه أدرك أنّ ما كان يعرفه عن عالم التصوير لم يكنّ إلا القليل. ومن أهمّ ما تعلّمه من ذلك الأستاذ هو تقنيّة اختيار مواقع التصوير، حيث أصبح يُجري الكثير من البحوث قبل أن يتوصّل إلى المواقع التي يراها ملائمةً لمشروعه، وشبكة الإنترنت هي مورده الذي لا ينضب في مجال البحث.
يُحاول بلوك أن يقتصر في المعالجة الحاسوبيّة على ما هو ضروريٌّ جدّاً، باستثناء مهمّات التصوير لمجلّة «ناشونال جيوغرافيك»، حيث يقول آيرا: «لا يُمكننا التلاعب بالصور على الإطلاق، بسبب المصداقيّة التي تتمتّع بها المجلّةُ بين القرّاء. لذا أعتمد على الإضاءة الطبيعيّة، وعليّ أن أتحلّى بالكثير من الصبر لأجل ذلك، وفي بعض الأحيان أستعين بمعدّات الإضاءة الخاصّة بي».
يتمتّع المصوّرون بتعدّد المنافذ لديهم، لذا قد يظنّ المرء بأنّ الوصول إلى حالة الإشباع قد يُغلق أحد هذه المنافذ، ويدفعهم للبحث في مكانٍ آخر. وحياة بلوك، حسب قوله، تتمحور حول عالم التصوير: «عالم التصوير هذا بدوره يُعرّفه على الكثير من الشخصيّات والمنافذ الإبداعيّة، وهذه إحدى النواحي المميّزة حول عملي، حيث يتيح لي التنقّل بين الكثير من النواحي الإبداعيّة».
يستغل المصوّر هوايته ومهنته ليببتعد عمّا يشغل باله في بعض الأحيان، أو قد يجدها وسيلةً لكبح جماح مشاعره. آيرا بلوك من ناحيته يرى أنّ التصوير هو منفذ المشاعر الأكثر أهميّةً بالنسبة له، إذ يُمكنّه من التعبير عن مزاجاته المختلفة عبر الصور، والتي لا تكلّف شيئاً بالمقارنة مع الخبراء النفسيين، فالتصوير هو الهروب وهو الحصن في الوقت ذاته.
يعتقد آيرا بلوك بأنّ على المصوّر أن يختصّ في مجالٍ يحبّه، ويؤكّد ذلك بقوله: «عندما يأخذ صورةً ما، نضع الكثير من أحاسيسنا في إطارها، لذا يكون من الضروريّ أن نحبّ تلك الصورة. فإذا كنت تحبّ الحيوانات، تخصّص في مجال الحياة البريّة، أمّا إذا كنت تحبّ الأبنية، فالتصوير المعماريُّ إذاً هو خيارك».
من يخوض بمكتبة صور آيرا بلوك الإلكترونيّة، يعرف أنّ لديه العديد من الملفّات، ويتساءل عمّا إذا كان هنالك ملفٌّ ما يُفضّله المصوّر العالميّ، وعلى هذا التساؤل، يُجيب آيرا: «بالتأكيد، كلّ مصوّرٍ لديه بعض اللقطات المفضّلة، إلا أنّ هذه اللقطات تتغيّر مع مرور الوقت. والمفضّل بالنسبة لنا لا يتعلّق بالصورة بحدّ ذاتها، بقدر ما يتعلّق بالتجربة التي عاشها المصوّر أثناء التقاط تلك الصورة والعمل ضمن مشروعها».
عندما نتعرّف إلى شخصٍ يُشعرتنا بهذا النوع الاستثنائيّ من الوحدة مع هوايته ومهنته، من أكثر الأسئلة التي تُطالعنا هو ماذا كان لهذا الشخص أن يعمل لو لم يكن مصوّراً؟ ولدى توجه هذا السؤال له، يصفن آيرا للحظات ثمّ يقول: «أنا مندمجٌ بعالم التصوير منذ صغري، ولا أكاد أجد الوقت للتفكير بأيّ شيءٍ آخر، إلا أنّني أعتقد بأنني كنت سأخوض في أحد المجالات المفيدة للبشريّة. أو أننّي سأمارس عملاً يبقيني خارج الجدران، قريباً من الحياة البريّة، لأنّ التصوير دلّلني لمرحلة لم أعد فيها قادراً على العمل المكتبيّ».
