تنتظر سهى، ابنة الثامنة عشرة ربيعاً، وصول «تاكسي البنات» بفارغ الصبر. بعد 15 دقيقة من طلبها سيارة أجرة لتقلها من منطقة تلّة الخياط الى وسط بيروت التجاري، تصل السيارة الزهرية اللون الحديثة الطراز بقيادة الصبية الثلاثينية جانيت. تقفز سهى الى المقعد الأمامي على غير عادة والابتسامة تزيّن وجهها. فهذه المرّة الأولى التي ترى فيها المراهقة سائقة تاكسي بوردة زهرية مشكولة في شعرها. تنظر الى السائقة باستغراب وارتياح في الوقت عينه. فجانيت واحدة من اللواتي تجرأن على دخول عالم معروف أنه حكر على الرجال فقط. لكنها اليوم تعترف أنها تحقّق حلماً لطالما راودها منذ الطفولة بأن تتساوى والجنس «الخشن» وتقود سيارة أجرى. تعشق جانيت القيادة فهي هوايتها في أوقات فراغها، قبل أن تستلم مقاليد القيادة الرسمية!

 

بين عمر جانيت وعمر سهى، سنوات. ولكن التحرشات الجنسية اللفظية منها والجسدية، لم تتغيّر في بلادنا المحكومة بالكبت ليس الجنسي فقط وإنما الاجتماعي والاقتصادي الذي يولد مثل هذه العادات السيئة. وسهى من الفتيات اللواتي تعرّضن الى مضايقات شتى من قبل سائقي التاكسي. وكانت أمها تنوي شراء سيارة خاصة بها، مع أن أحوالها الشخصية لا تسمح بذلك، لتتلافى المشاكل والتحرشات التي «كادت تودي بحياة ابنتي». فالبنسة لسهى وأمها وكثيرات غيرهن، تعتبر «تاكسي البنات» حلاً لابتعاد عن بعض شوائب هذه المهنة الحيوية التي لا يمكن لأحد الامتناع عنها. كما تعتبر هذه الخدمة «راحة نفسية للأهل ولمستخدمة التاكسي نفسها، كوننا نعرف مالك السيارة ولدينا كل البيانات عن السائقة والمالك»، تقول أم سهى. وتؤكد الفتاة كلام أمها قائلة: «بعد التحرشات التي تعرّضت لها، كنت كلما أستقل تاكسي اضطرب وأقلق وأخاف لدرجة الرعب. وكنت أبدأ بقراءة الآيات القرآنية علّها تحميني من شرّ الوسواس الخناس، حتى أصل الى المكان المقصود».

 

البداية من مركز تجميل

عندما كانت اللبنانية نوال فخري تنوي إنشاء مركز نسائي للتجميل، الذي تزايدت أعداده بكثافة في لبنان، أحبّت أن تقدم خدمة إضافية لتجذب زبوناتها. فخطر لها، كما روَت لـ«الحواس الخمس» أن تخصّص سيارة تنقلهن من بيوتهن الى المركز، وتتحكم بقيادتها امرأة من جنسهنّ.

وسرعان ما أعجبت الفكرة مَن حولها، خصوصاً بعدما نشرت إعلاناً في الصحف تطلب فيه وظيفة «سائقة تاكسي». «لم أكن أتوقع أن أعثر على سيدة واحدة جريئة ومقدام لهذه الوظيفة الجديدة على الساحة اللبنانية»، تقول فخري. لكن على عكس ما حسبت، تلقّت أكثر من 30 طلباً. فوسّعت الخدمة لتكون هي المشروع بحدّ ذاته. فاشترت 6 سيارات من طراز «بيجو 2009» الفرنسية الصنع، وبدّلت ألوانها لتصبح زهرية بالكامل وملفتة للنظر. واختارت السائقات اللواتي لا تقل أعمارهن عن 30 سنة، ذات الوجوه الجميلة التي تزيّن الضحكة سماههنّ. الجمال والسنّ ليسا المعيارين الوحيدين. فعلى السائقة أن تكون ملمّة بلغة أجنبية واحدة على الأقل. وعليها أيضاً المحافظة على أناقتها وعلى رائحتها، خصوصاً أن فخري اختارت لهن زيّا موحّدا يتألف من قميص بيضاء اللون وبنطالجين ووردة زهرية تشكلها السائقة في رأسها طوال مدة العمل. وإضافة الى إلمامها بخريطة البلد الجغرافية والقيادة الحسنة والهادئة، عليها أن تنجح في الحصول على رخصة سوق عمومية من وزارة الداخلية. وهي خطوة جديدة في لبنان عملت فخري مع وزارة السياحة على تنفيذها، لأن وزارة الداخلية اللبنانية لم تصدر أي رخصة سوق عمومية لمرأة من قبل.مع العلم أن لبنانيات كثيرات خضن تجربة وظيفة سائقات، ولكن على سيارات خصوصية أو بطريقة غير رسمية على سياراتهم الخاصة.

وتوضح فخري أن الخدمة التي تقدمها «تاكسي البنات» ليست للنساء فقط، بل للعائلات. «أي يمكن للمرأة أن تستخدم سياراتنا برفقة زوجها أو صديقها أو أحد أفراد عائلتها. ولكن لا يمكن للرجل أن يستخدمها وحده»، تؤكد.

وتفكر نوال فخري بتوسيع نطاق الخدمة لتلبية الطلب المتزايد عليها. ولا تُخفي فخري أنها كانت قلقة من عدم نجاح المشروع في استقطاب عدد كبير من السيدات. لكن «هاتف المكتب لم يهدأ من لحظة الإعلان عن الخدمة. ما يؤكد لنا حاجة كثيرات من النساء لسيارات خاصة بهنّ، بعيداً عن نظرات بعض السائقين الرجال الخبيثة أو تحرشاتهم غير اللائقة».

ولا تُخفي فخري أنها تعتمد في هذه الخدمة على السائحات وخصوصاً الخليجيات منهن.

 

تبدّد القلق أم تضاعف الأرباح

وليست فكرة (تاكسي البنات) جديدة، فهي معتمدة في إيران وتايلندا والبحرين، وبريطانيا حيث في السنوات الأخيرة جرائم الاغتصاب والتحرشات الجنسية من قبل سائقي سيارات الأجرة. وبحسب الاحصاءات الرسمية لعام 2005، تتعرض في مدينة الضباب 10 نساء كل شهر للاغتصاب من قبل سائقي سيارات الأجرة غير المرخص لهم.

ولكن بعيداً عن القلق الذي لا يمكن لستّ سيارات أجرة فقط تبديده في عاصمة بأكملها. مع العلم أنه ليس بمقدور كل النساء استخدام (تاكسي) يومياً، نظراً لارتفاع التكلفة عن سيارات الأجرة العادية التي يستقلها عادة في بيروت، أربعة ركاب ما عدا السائق. فتعتبر هيام وزميلاتها من طالبات الجامعة أن الفكرة سياحية وتجارية أكثر مما هي خدمة هادفة الى تخفيف التحرشات. وترى نساء كثيرات مثل نادية (50 سنة) أن تخصيص سيارة للنساء فقط، ليست من عادات المجتمع اللبناني الذي تختلط فيه المرأة والرجل في كل ميادين العمل والحياة اليومية. ويضيف صديقها جهاد أن «المسألة ربحية بامتياز وأُنشئت للسائحات الخليجيات اللواتي يفضل بعضهن عدم الاختلاط برجال غرباء». وتعترض رشا إحدى الناشطات في مجال حقوق المرأة، على فكرة فصل النساء عن الرجال. مؤكدة «أن هذا الفصل لن يخفّف من حالات الاغتصاب بل سيزيد الكبت، وسيخلق حاجزاً إضافياً بين النساء والرجال».

 

مباركة شرعية... حذرة

ويبارك الشيخ محمد دياب خادم مسجد في وسط بيروت، فكرة «تاكسي البنات» كونه شرعيا ويريح كثيرات من النساء المحجبات والمنقبات واللواتي لا يُحبّذن الاختلاط بالرجال. ولكن يؤكد أن الاسلام «لا يُحرّم أن تنتقل المرأة مع رجل غريب في سيارة واحدة»، مبرراً بأن سيارات الأجرة تكون عادة مكشوفة وتسير في شوارع مأهولة بالناس. لكنه أشار الى أفضلية أن تذهب المرأة برفقة محرم في مشاوير ذات المسافات الطويلة والبعيدة، وخصوصاً الصحراوية أو غير المأهولة.

ويعتقد دياب أن لهذه الخدمة الأنثوية وجهين، الأول وهو الإيجابي الذي ذكرناه، مع «أنه ليس من الكماليات وليس من ضروريات الحياة»، كما يقول. أما الوجه السلبي، فيكمن في أن تُستخدم هذه الخدمة لأغراض غير أخلاقية. ويضيف: «كما أن المرأة السائقة قد تتعطل سيارتها في طريق مقفرة وهي غير قادرة على تصليحها أو جرّها مثلاً، فهنا تصبح السائقة والراكبة في خطر».

واعترض دياب على مثل هذه الخطوة إذا ما اعتبرت بأنها نقطة في صالح حق من حقوق مساواة المرأة بالرجل لجهة السائقة. واعتبر أنه من الأولوية بدل التفكير في خطوة غالباً تجارية، المطالبة بتصحيح معاملات المرأة في الضمان الاجتماعي وفي الأحوال الشخصية وغيرها من الأمور الاجتماعية والاقتصادية.