في بلدة باد كروزناخ الألمانية هناك أناس لديهم حلم يسعون وراءه ويحاولون تحقيقه.. هذا الحلم هو تأسيس جامعة خاصة، يكون مقرها في البلدة ذاتها! باد كروزناخ، التي تقع في ولاية راينلاند بفالتس الاتحادية. وإذا ما نجحوا في الوصول إلى غايتهم وتحقيق حلمهم، سيتناول الجميع فيما بعد هذا السبق.
نحن نتحدث بذلك عن أول مركز أو مؤسسة للتعليم العالي للصم والبكم في أوروبا، والثانية من نوعها على مستوى العالم، حيث إنه حتى وقتنا هذا لا تستطيع هذه الفئة أن تدرس لغة الإشارة سوى في الولايات المتحدة الأميركية حيث توجد في العاصمة واشنطن «جامعة جالوديت- Gallaudet University، التي أنشئت عام 1864 في ولاية كولومبيا.
ويشير هنا إنجو بارت، رئيس رابطة دعم المجتمع الأوروبي لجامعة باد كروزناخ للغة الإشارة، قائلاً: «بإنشاء هذه الجامعة سنستطيع أن نفتح آفاقاً جديدة للصم والبكم، وأن نخلق منظورا جديدا، ونصل إلى وجهات نظر مختلفة سواءً على المستوى الأكاديمي أو المستوى المهني والاحترافي.
وقام بارت بإنشاء هذه الهيئة أو الكيان في يونيو عام 2010 وهو الآن مسؤول عن جمع الهبات والتبرعات، حيث إنه في المجمل يحتاج إلى حوالي 100 مليون يورو، ما يعادل (130 مليون دولار). حيث إنه من المقرر أن يتم افتتاح هذه الجامعة الخاصة في عام .2013
ومن ناحية أخرى سيكون على الجميع في تلك الجامعة أو المؤسسة أن يكونوا على دراية تامة بكيفية استخدام لغة الإشارة الألمانية، سواء كان هؤلاء الأشخاص من العاملين أو المدرسين أو الطلاب الذين يعانون الصمم أو لا. ومن المتوقع أن تبدأ الجامعة باستقبال حوالي 300 طالب وطالبة، ومع ذلك من المتوقع أن تصل طاقتها الاستيعابية إلى 2000 مقعد، كما هي الحال في مثيلتها في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي السياق ذاته يعلق أندرياس بيتنر، أحد أعضاء الجمعية الألمانية للصم والبكم، في برلين قائلا: «في الوقت الراهن، يعتمد الطلاب من الصم والبكم على مساعدة مترجمين فوريين من متخصصي لغة الإشارة».
ثم يقدم لنا بارت، رئيس رابطة دعم المجتمع الأوروبي لجامعة باد كروزناخ للغة الإشارة، الذي يعاني هو الآخر الصمم، بعضا من التوضيح والشرح: «من المتوقع أن يتم بناء الجامعة على قاعدة عسكرية أميركية سابقة، ونحن بالفعل مستعدون، فلدينا هنا المباني وعلينا فقط إعدادها وترميمها وإضافة بعض الإصلاحات لإحيائها من جديد، على أن تجهز بمسرح ومكتبة وقاعات لتلقي الدروس والمحاضرات وقاعات أخرى للبحث».
وقد أضاف لنا هذا البرليني الذي يعمل كيميائيا وفيزيائيا في معهد ماكس بلانك: هدفنا الأساسي هو جمع مليوني يورو أي بما يعادل حوالي ( 2,6 مليون دولار) وذلك للاحتفاظ بقطعة الأرض هذه، وحتى هذه اللحظة لم نستطع أن نجني سوى عشرين الف يورو، في حين أن مجموع التكاليف الكلي سيصل إلى ما يقرب من سبعة أو ثمانية ملايين يورو أي (من تسعة إلى 10.5 ملايين دولار).
نعود مرة أخرى بالكلمة إلى إنجو بارت، رئيس رابطة دعم المجتمع الأوروبي لجامعة باد كروزناخ للغة الإشارة، حيث يوضح أن الهدف الرئيسي من إنشاء الجامعة هو «فتح المجال أمام كافة المهن والحرف في سبيل إتاحة فرص العمل في شتى المسارات والمجالات، بداية من دراسة القانون إلى دراسة الطب البيطري، وذلك مروراً بمرحلة ما قبل التخرج - أي الحصول على الليسانس أو البكالوريوس - و مرحلة ما بعد التخرج - أي الحصول على درجة الماجستير.
وأضاف: «نعتزم البدء بكليتين: كلية اللغات وكلية الاجتماع». ثم يسترسل قائلاً: إننا نحلم بإنشاء مركز للغة الإشارة، يمكن للصم أن يدرسوا فيه لغة هذا النوع من العجز كما نريده أن يكون مثالياً كمركز إعلامي لبث برامج بلغة الإشارة.
بالأرقام التي قام بعرضها إنجو بارت ووفقاً لإحصائيات الرابطة الألمانية للصم والبكم، نرى أن هناك ما يقرب من 100 طالب وطالبة في ألمانيا يعانون من الصمم والبكم أو عدم القدرة على النطق والكلام نذكر من بينهم ليونا باولوس، وهي شابة تبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً، وتقوم بدراسة اللغة البرتغالية وتاريخ الفن في جامعة يوهانز جوتنبرج، التي تقع في مدينة ماينز الألمانية.
وهنا يختتم بارت كلماته قائلاً: إن هذا الصرح بدوره يحمل بين طياته نوعاً ما مفهوم الجامعة الخاصة، فنحن كصم أو ضعاف سمع سيكون بإمكاننا هنا أن نهيئ لأنفسنا مجموعة من الاتصالات والروابط المشتركة فضلاً عن تمتعنا بحياة ثقافية نستزيد منها وقتما نشاء دون أية عوائق وبلا أي حدود. أما أنا عن نفسي أتوقع أننا سنحظى بفرصة كبيرة حقا لإثراء الحوار العلمي وتطوير الهوية بشكل عظيم. من منا لا يستطيع أن يتنبأ بالتطور الكلاسيكي لحدث مهني كهذا الذي نحن بصدد الحديث عنه الآن؟ فعندما ينتهي الطالب من دراسته سيكون أمامه مجال واحد ومنظور واحد وبالتالي ستسيطر عليه رغبةً واحدة وهي العمل مع الصم، ونجد بالتالي العديد من الخريجين الصم يعملون حاليا كمعلمين وأساتذة للغة الإشارة في بعض المدارس المتخصصة، لكنني في واقع الأمر أسعى لتحقيق هدف آخر، وهو أن نرى في أوروبا يوماً ما نراه في الولايات المتحدة: معلمين وأطباء من الصم والبكم، نواب عموميين ومحامين من الصم والبكم، كمهنة وأساتذة في فن السينما من الصم والبكم... نعم هذا ما نطمع ونطمح أن تصل إليه أوروبا.
