ظلت مدينة مونتي ألبان لمدة 31 قرنا تسيطر وتحكم باعتبارها المركز الرئيسي السياسي والاقتصادي والديني في وادي أوكساكا الذي يقع جنوبي المكسيك على ساحل أوكساكان، كما كانت المدينة واحدة من أكثر المدن أهمية فيما يعرف باسم ميسوأمريكا وهي منطقة جغرافية وثقافية كانت تمتد من وسط المكسيك حتى هندوراس ونيكاراجوا.

 

وكان أبناء حضارة زابوتيك أول من استخدم الكتابة في القارة الأميركية قبل العصر الكولومبي أي الزمن الذي سبق الدخول الأوروبي إلى الأمريكتين، وتأسست مدينة مونتي ألبان عاصمة دولة زابوتيك في القرن الخامس قبل الميلاد وتم النزوح منها منذ 006 عام قبل الغزو الأسباني، وكانت أول مستوطنة حضرية في الأميركتين.

وعلى الرغم من أن مدينة مونتي ألبان كانت محل دراسة منذ عام 1391 عندما قام عالم الآثار المكسيكي ألفونسو كاسو بالتنقيب عن هذه المدينة الأسطورية التي نمت إلى حد واسع إلا أنه ما زال يتعين على الباحثين اكتشاف الأسباب التي تكمن وراء ازدهار حضارة زابوتيك وأيضا الأٍسباب التي أدت في زمن لاحق إلى اندثارها، وكان ميدان مونتي ألبان الرئيسي أكثر موقع احتفالي أهمية في المنطقة، كما كان المكان الذي أجريت فيه المفاوضات السياسية الكبرى.

وذكرت نيللي روبلز رئيسة الموقع الأثري لمونتي ألبان أنه كان معروفا منذ وقت مبكر أنه كانت هناك قرى صغيرة وكبيرة في الوديان الوسطى لأوكساكا، غير أننا لم نستطع حتى الآن تفسير السبب الذي دفع هذه القرى إلى الاتحاد لتأسيس مدينة بحجم وأهمية مونتي ألبان الذي بلغ عدد سكانها في وقت من الأوقات 53 ألف نسمة.

وتضيف روبلز التي تعد خبيرة في تاريخ القبائل التي كانت متواجدة في وادي أوكساكا قبل الغزو الأسباني إن المسألة يحيطها الغموض، وقد حاول العديد من العلماء ولعدة عقود أن يجدوا تفسيرات لأسباب انهيار المدينة، وتشير إحدى النظريات التي طرحت إلى أن موجة مخيفة من الجفاف اجتاحت المدينة وقتلت أعدادا كبيرة من سكان مونتي ألبان.

بينما ذكرت نظرية أخرى أن النفوذ المتزايد للمدينة الذي جعلها تسيطر على السكان الآخرين في المنطقة لعدة قرون تسبب في تفاقم التوتر بين زعماء المدينة مما أدى إلى إضعاف قادة زابوتيك والسماح بتقوية نفوذ النبلاء، وقد طرح هذه النظرية آرثر جويس وهو أكاديمي من جامعة كولورادو وذلك أمام مؤتمر عقد مؤخرا حول مونتي ألبان بمدينة أوكساكا في أيلول/ سبتمبر الماضي وبمشاركة أكثر من 03 خبيرا، وقد تناول المؤتمر بالنقاش آخر الدراسات حول مدينة مونتي ألبان.

وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ) أوضح آرثر جويس أن النبلاء استولوا على الميدان الرئيسي وحولوه إلى حي سكني ومنعوا السكان من ممارسة طقوسهم الدينية التي كانت تثير الإحساس بالانتماء الاجتماعي، وعندما اختفى الشعور بالتماسك الاجتماعي بدأ السكان في مغادرة المدينة نحو عام 008 ميلادية، وأوضح ذلك البحث أن مدينة مونتي ألبان خلال حياتها الطويلة التي امتدت إلى 0031 عام كانت لاعبا مهما في الحياة السياسية لمنطقة ميسوأميركا.

كما لعبت عاصمة امبرطورية زابوتيك دورا بارزا في حركة التجارة في عصور ما قبل الغزو الأسباني إلى جانب أنها كانت تمتلك خطة متكاملة للتطوير الحضري.

وتقول روبلز إن موقع المدينة كنقطة دخول للوديان الوسطى لأوكساكا يبين أنها كانت تقع من الناحية الإستراتيجية في مكان يتحكم في الممر التجاري بين الهضبة الوسطى العالية والأراضي المنخفضة في مايان.

وبسبب أهميتها التاريخية وجمال مبانيها المعماري وضعت منظمة الثقافة والعلوم والتربية اليونسكو مدينة مونتي ألبان في قائمة مواقع التراث الإنساني عام 7891.

وفي الوقت الذي يقوم فيه الخبراء بمحاولات لفك شفرة كتابة لغة زابوتيك وغيرها من المسائل الغامضة حول هذه الحضارة يقوم آلاف السياح كل عام بزيارة أطلال مونتي ألبان التي شيدت على قمة جبل يبلغ ارتفاعه 003 متر، وقد تم اختيار موقع بناء المدينة لأسباب دينية إلى جانب أن هذا الارتفاع يساعد على الدفاع عن المدينة، ويقول روبرتو جاليجوس الذي اكتشف مقابر مدينة زاشيلا إن الخبراء يسعون أيضا إلى معرفة المزيد من المعلومات المهمة حول حضارة زابوتيك مثل الطريقة التي كانوا يرفعون بها الأطعمة إلى الجبل والعلاقات السياسية والاجتماعية المعقدة التي كانت تربطهم بالمجتمعات الأخرى أو علاقتهم بالطبيعة، وتنتمي مدينة زاشيلا إلى حضارة زابوتيك وكان يسكنها منافسون لهذه الدولة وهم المكستيكس.