في فصل الشتاء يسود الهدوء في أقدم متنزه وطني في العالم حتى في مركز الزوار الجديد الذي أقيم بجوار نبع الماء الحار الشهير المعروف باسم أولد فيثفول، ويستمتع العدد القليل من الزوار في متنزه يلوستون الوطني بمناظر البرية البيضاء التي يغطيها الجليد في الولايات المتحدة، ويكاد الزوار أن يكونوا وحدهم في هذا المكان باستثناء قطعان الثيران الأميركية المحلية التي تعرف باسم بيسون وما تتمتع به من إحساس عجيب.

 

ويصدر عن الثيران صوت من أنوفها يشبه الشخير وهي تضرب الأرض بأقدامها متقدمة في طريقها فوق الثلوج، وعندما تتوقف في كسل تدير رؤوسها الضخمة باتجاه الزوار وتحدق فيهم.

وتبدو هذه الحيوانات التي تغطي نصف أجسامها الثلوج وذات الشعر الأشعث هادئة ومسالمة تماما، ولكنها مثل كل الحيوانات البرية يكمن معها الخطر خاصة وأن مجموعة الزوار لا يفصلها عن الثيران سوى مركبة مخصصة للسير على الجليد.

وتتجول مجموعة الزوار في أنحاء متنزه يلوستون الوطني مستخدمين مركبات السير على الجليد التي تعمل بمحرك لمشاهدة ثور البيسون الذي يوصف بأنه ملك السهول العظمى، وقد جابت الملايين من هذا الحيوان قديما أنحاء مراعي أميركا الشمالية.

وكانت قومية سيوكس وهم من سكان أميركا الأصليين يطلقون على ثور البيسون اسم »تاتونكا« وهي كلمة تعنى بلغتهم الجاموس، وقد تعرض هذا الثور لخطر الإنقراض بسسب الصيد الجائر لولا وجود أول متنزه وطني في العالم.

فقد قام الصيادون بما فيهم الصائد الأميركي الشهير المعروف بلقب بافالو بيل بقتل ملايين من ثيران البيسون للاستفادة من جلودها الثمينة، وبحلول منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر لم يتبق بالبرية سوى بضع مئات من هذه الثيران.

وتم إنشاء متنزه يلوستون الوطني عام 1872 وامتد على مساحة تشمل أراضي من ولايات ويومينج ومونتانا وإيداهو، وأصبح يستضيف مجموعة كبيرة متنوعة من الحياة البرية تشمل الدببة الأميركية الضخمة والذئاب وثيران البيسون والظباء كبيرة الحجم.

ويقع داخل حدود المتنزه فالق يلوستون العظيم ومجموعة من ينابيع الماء الحارة التي تعد الأكثر غرابة في العالم ومن بينها نبع أولد فيثفول.

ويستضيف المتنزه حاليا خمسة آلاف من ثيران البيسون من بين 35 ألفا موجودة في جميع أنحاء الولايات المتحدة معظمها في تجمعات تربى فيها بشكل تجاري داخل نحو أربعة آلاف حظيرة مملوكة ملكية خاصة، ويعد متنزه يلوستون مكانا مثاليا لمشاهدة هذه الثيران وهي تعيش حياتها الطبيعية في البرية.

ويمكن للزوار أن يتركوا لأنفسهم العنان داخل مساحات المتنزه خلال فصل الشتاء، ويعبر هواة التزلج على الجليد لمسافات طويلة أراضي البرية الصامتة حيث تتقابل كتل الجليد التي يصل ارتفاعها إلى متر مع ينابيع الماء الحار في حوض ينبوع وست ثامب.

ويعد ينبوع أولد فيثفول الحار هو الأشهر في متنزه يلوستون حيث يقذف كل 90 دقيقة تقريبا بما يتراوح بين 14 ألفا إلى 32 ألف لتر من المياه الساخنة التي تصل إلى درجة الغليان وتستغرق هذه العملية ما بين دقيقة ونصف الدقيقة إلى خمس دقائق.

وتحفل المنطقة المحيطة بهذا النبع بالفنادق والمطاعم وبمركز جديد للزوار ومتحف، وفي فصل الشتاء تصبح هذه المنطقة مركزا محوريا لمتنزه يلوستون الوطني.

وتستغرق الرحلة بين بوابة دخول المتنزه عند فلاجستاف رانش بالقرب من منتجع جاكسون هول للتزلج إلى ينبوع أولد فيثفول نحو أربع ساعات باستخدام مركبة قديمة بمحرك للسير على الجليد.

وليس من الممكن التنقل عبر المتنزه بشكل منفرد في فصل الشتاء ويجب على جميع الزوار استخدام هذه المركبة المكوكية في التنقل، مما يعني أن رحلة السفاري بمركبة الجليد تستقطع يوما من رحلة قصيرة لمدة يومين إلى المتنزه.

وفي الصباح الباكر تعطي المرشدة السياحية جوليا تعليمات حول كيفية استخدام زلاقة بمحرك لمجموعة الزوار الذين يرتدون ملابس ثقيلة تقيهم البرد القارس وأحذية جلدية ذات رقبة عالية وذلك قبل أن يتوجهوا إلى البرية.

وهناك مجموعات أخرى كثيرة من الزوار تتنقل بين أرجاء المتنزه، وليس من المدهش أن يؤدي ضجيج محرك مركبة الجليد إلى اختفاء معظم الحيوانات.

وانسحبت الظباء لتختلي داخل الغابات بينما دخلت الدببة الضخمة في مرحلة البيات الشتوي ولم يتمكن الزوار من مشاهدة الذئاب في أي مكان، وحتى كلاب الماء بدت غير مهتمة بالاستحمام في الينبوع الحار في بحيرة يلوستون.

وعندما ينتصف النهار توقفنا لتناول الطعام في الهواء الطلق وللتدفئة داخل كوخ خشبي، وتبدو المناظر الطبيعية رائعة على الرغم من أن ثلث المتنزه تعرض للدمار من جراء حريق اندلع عام .1988

ولا تزال حتى اليوم تلال كاملة مغطاة بجذوع الأشجار المحترقة بشكل يشبه ميدان المعركة، وبينما نتأهب لمغادرة المكان بعد تناول طعام الغداء تعطينا المرشدة السياحية جوليا وهي تعمل في نفس الوقت حارسة بالمتنزه معلومات حول المكان الذي يمكن أن يوجد به قطيع من ثيران البيسون.

وفي غضون عشرين دقيقة نتعثر في قطيع يضم نحو عشرين من الجاموس البري يسير على الطريق الذي يقع أمامنا، ونتمكن من الاقتراب لمسافة 300 متر من القطيع قبل أن نتوقف، ونترك مركباتنا رابضة على جانب الطريق بينما تمر الثيران أمامنا.

وتحذرنا جوليا قائلة : » إذا ضغطتم بقوة على جلود الثيران فستفقد هدوءها ويمكن أن تفر بتدافع جماعي «.

ويمكن أن تصل سرعة ثور البيسون إلى 50 كيلومترا في الساعة برغم حجمه الضخم.