هل سمعت من قبل عن تغير التقويم أو تنوعه؟ لنر معاً: تخضع شبه جزيرة «بالديس» ويتحكم في مسار الحياة بها أنواع مختلفة من التقويم تتنوع بين الشمسي والقمري، ليس هذا فقط بل يوجد بها أيضا تقويم ملاحي وتقويم حيواني تابع للحياة البرية وآخر سياحي بل هناك مستوى مد وجزر يتغير بشكل يومي له تأثيره الذي يعتد به كذلك! نظرا لأن هذا السهب البتاجوني الذي يمتد في مياه المحيط الأطلسي يتميز بهيئته المتغيرة مع كل فصل من فصول السنة مما ينعكس في النهاية على تنوع التقاويم به.

من شهر حزيران/ يونيو إلى شهر كانون أول/#ديسمبر تسود أجواء المنطقة أجواء قدوم الحيتان من جنوب فرنسا، والتي تزور المنطقة للتكاثر وللبحث عن الغذاء، وفي مملكته تعيش ذئاب البحر وفيلة البحر وبطاريق ودلافين الأوركا والدلافين العادية وعدد لا حصر له من الأسماك، وطيور الريا أو النعام، وهناك أيضاً أنواع من الثعالب، والثعابين، وفهود البوما .. يا له من مشهد غني تتناغم# وتمتزج فيه السماء والأرض والماء.

ولمشاهدة الحيتان من مدينة «بويرتو مادرين»، التي تشكل رأس شبه الجزيرة في الأرجنتين، يجب إمعان النظر في البحر حيث تترأى زعانف هذه الكائنات البحرية العملاقة وهي تلمع في ضوء الشمس وأذيالها ترتفع في اتجاه السماء. ويكون هذا المنظر أقرب# للعين عند مراقبته من شاطئ «الدورييو». بل ويمكن أن يستشعر الإنسان أنه جزء منه عندما يكون على متن القوارب التي تغادر ميناء «بيراميديس».

ويروي لنا قبطان السفينة، وهو ينطلق وراء حوت أسود، أنه فيلالا يمكن لنا التنبؤ بما سيحدث في هذه المنطقة .. إن الحيتان تستطيع أن تقترب من السفينة أوالقارب حتي تلامسه فعلياً ثم تتهادى عائدة إلى «#الجولفو نويبو» أو منطقة الخليج الجديد.

ويكمل حديثه قائلاً: كذلك الوضع مع السائحين الذين يتزودون بملابس وأقنعة الغوص ويضعون أنابيب التنفس ويغطسون في مياه الخليج بحثاً عن الاتصال المباشر مع الذئاب البحرية المعروفة في باتاجونيا وأمريكا الجنوبية، والتي يطلق عليها في أحيان أخرى أسود البحر المصفرة أو أوتاريا المصفرة، والتي لا يمكن أيضا التنبؤ بسلوكها.

ويوضح لنا أحد المدربين الوضع قائلاً: الكثير من هذه الحيوانات تخرج إلى الجرف أو البر لتلاقي الإنسان .. فيحيطون به .. يقتربون منه .. يسبحون معه يلعقونه ويقضمونه على سبيل المداعبة واللعب .. لكن في أحيان أخرى لا نرى ذلك يحدث فهذه الحيوانات لا تكون دائماً في مزاج يسمح لها بأداء هذا المشهد!.

كما يمكن رؤية الذئاب البحرية طوال العام، وكذلك فيل البحر والمعروف أيضاً باسم فيل الختم الجنوبي أو الميرونجا الأسدي، الذي يأتي إلى المنطقة بحثاً عن الحبار أو الكلماري وجبته المفضلة.

ومن الطريف أن شبه جزيرة بالديس هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن فيه رؤية الأفيال البحرية أو فيل الختم الجنوبي على البر الرئيسي. فبالرغم من أن برزخ أميجينو، وهو شريط يبلغ خمسة كيلومترات يريط بين شبه جزيرة بالديس ومحافظة تشوبوت في الأرجنتين، ضيق للغاية بالنسبة لهذه الحيوانات التي تفضل دائماً الجزر النائية، إلا أن الأمر مختلف تماماً في هذه الحالة حيث خلطت بين هذه المنطقة وبين منطقة الجزر!.

يذكر أن هذا النوع من الفيلة يبدأ المجيء في نهاية شهر آب/ أغسطس وفي غضون أسبوعين أو ثلاثة فقط تبدأ الإناث بالتناسل والإنجاب .. هذه العملية التي تبلغ ذروتها في شهر تشرين أول/ أكتوبر /، وعندما يعود البالغون إلى البحر، يبقى الشباب والأحداث على الساحل في انتظار مرحلتهم التناسلية أو الإنجابية الخاصة!.

وعن طريق عملية معقدة بعد بلوغ سن الحيض ونضوج الرئتين بصورة كافية تستطيع تلك الفيلة البحرية الغوص لعمق يصل إلى ألف وخمسمائة متر، بأجسامها الضخمة المكسوة بطبقة سميكة من الشحم جعلتها فريسة للصيد على مدار أعوام طويلة.#

ومن الطرائف أو الحوادث الجغرافية الغريبة، يقال أن وجود هذا النوع من الفيلة بهيئتها هذه جعل البحارة والملاحين الأوائل، ممن جابوا المنطقة، يعتقدون بأنهم رأوا نساء ضخمة ترقد على الرمال ومن ثم أطلق على المكان «بونتا نيفاس» أو رأس الحوريات !.

وننتقل إلى منطقة أخرى ونوع آخر من الحيوانات فبين بونتا لوما أو رأس الربوة - منطقة الذئاب البحرية - وبونتا نيفاس يوجد شريط ساحلي من الرمل الأبيض قام بغزوه ما يعرف بـ «بطاريق ماجيلان» .. ومن بينهم مئتا ألف بنوا أعشاشهم في منطقة إستنانسا سان جييرمو، إلا أن أكثرهم فروا بسبب نقص الغذاء الذي بدأ يجتاح الجنوب.

وتعد شبه جزيرة بونتا تومبو، التي تقع على بعد 200 كم في الجنوب، المكان الذي يشهد أكبر تجمع في القارة لبطاريق ماجيلان حيث يبلغ عددهم أكثر من مليون، يعودون إلى أعشاشهم للتناسل فيما بين شهر أيلول/ سبتمبر و آذار/مارس .

ويمكننا الآن بحق أن نطلق على شبه جزيرة بونتا تومبو مدينة البطريق أو المدينة البطريقية ! حيث يوجد حوالي 240000 عش تحت الأرض، في الظل وفي الهواء، في مساحة تبلغ 260 هكتارا.

وأنت في بونتا تومبو ترى نفسك تسير بالفعل جنباً إلى جنب مع البطاريق، فهم يتجولون من وإلى البحر في طرق تعترض مسار الإنسان، الذي عليه أن يحترم وجود البطاريق مهما كلفه الأمر!.ويلفت روبيرتو رافا، حارس حيوانات، نظرنا قائلاً: إذا أراد أحد البطاريق أن يمر... فليس أمامك خيار آخر سوى أن تفسح له الطريق، فإذا حدث العكس يفقد البطريق الاتجاه ويتوجب عليه العودة إلى نقطة البداية!.

ومما سلف يمكن القول إن الإنسان في شبه جزيرة بالديس وما حولها تحول إلى جزء من مجموعة السلالات هذه! والعرف الساري هناك هو عدم التدخل وترك التقويمات المختلفة تأخذ مجراها وتمضي في اتجاهها!.