حين يصنّف تاريخ الطعام والطهي في العالم؛ فما من شك في أن المطبخ الفرنسي سيكون ضمن الطبقة العليا في النكهة والذوق والحس الراقي بمكونات الأكلات، فلقد كان الفرنسيون يهتمون بالبحث عن أساليب جديدة ومبتكرة لإنجاز تلك الأكلات والأطعمة التي تفننوا بها منذ أيام الملكية وموائد حفلاتها التي لم يكن يضاهيها في العالم أية مائدة، وحتى قيام الجمهورية إلى وقتنا الحالية، وما يميز تاريخ المطبخ الفرنسي هو الامتداد الطبيعي لأجيال متواصلة من الأسر والعائلات التي توارثت فن الطبخ عبر عقود وقرون من الزمن، ومن أبرز الأسر العريقة في تاريخ المطبخ الفرنسي هي أسرة «مينارد» التي تستوطن وادي «لوار» الساحر وسط فرنسا، فلقد انتقلت وراثة فن الطهي من جيل إلى جيل حتى وصلت عند الشيف ورئيس الطهاة الشهير «برونو مينارد» الحائز على عدة جوائز عالمية .

«الحواس الخمس» التقاه أثناء وجوده في أبوظبي كضيف شرف لإطلاق هيئة أبوظبي للسياحة «مهرجان فنون الطهي-أبوظبي 2011» الذي سيقام في فبراير المقبل، فكان هذا الحديث عن ذكرياته ورؤيته الحسية للطهي..

يقول عن نوع الطعام الشرقي: «لم تتح لي الفرصة لتذوق واكتشاف الأطعمة الشرقية بصورة دقيقة، ولكنني زرت مطعماً إماراتيا بفئة 5 نجوم بفندق قصر الإمارات، ولقد تأثرت واستمتعت كثيراً بقائمة الطعام الشرقية والإماراتية في هذا المطعم الذي يعكس جزءًا من ثقافة وتراث البلد، وأتوقع أن تنجح قائمة الطعام الإماراتية والعربية إن جرى تسويقها بشكل جيد في العالم».

بدأ برونو مينارد ممارسة فن الطهي متدرباً على يد والده وجده اللذين عملا كرؤساء طهاة في مطاعم راقية بمنطقة لوار الفرنسية، وكان شغفه منذ البداية بابتكار أنواع جديدة من الأكلات التي تقلل من التوابل وتستخدم الأعشاب كبديل للنكهات المضافة، وحول أول أكلة قام بطهيها قال مينارد: «صدقاً؛ لا أستطيع التذكر، فلقد كان كل ما يشغلني في فترة طفولتي وتدريبي الأولى، هو إنجاز وصفات الأكلات بحرفية تامة تقارب ما ينجزه والدي من وصفات فاخرة ».

تنقل مينارد بين عدة مطاعم فرنسية أكسبته شهرة عريضة داخل الأوساط المهتمة، إلا أنه آثر أن ينتقل إلى اليابان ويستقر فيها ونالت المطاعم التي عمل فيها هناك سمعة مرموقة لدى متذوقي الطعام. عن انتقالاته المستمرة واستقراره الأخير في اليابان، قال مينارد: « أعتقد بأن الحياة تقدم فرصا نادرة، والشخص الناجح هو من يستغلها ولا يدعها تفوته، فرغم ما حققته من سمعة طبية في فرنسا؛ إلا أنني وجدت فرصة العمل في اليابان تصب في ناحية العرض الجيد الذي قدم لي، ومن ناحية أخرى اكتشاف ثقافة وحياة اجتماعية جديدة، فلذا انتقلت مع عائلتي إلى اليابان وأنا مستقر هناك منذ 12 سنة تغيرت فيها نظرتي للكثير من الأمور، وأسير على خطى ما يعرف بالمدرسة الكلاسيكية الجديدة في عالم وفن الطهي، ولقد تعلمت بالإضافة لتاريخ فن الطهي الياباني المميز؛ كيف أشكّل فريقاً في مطبخي يكون بمثابة «شجرة صفصاف» قوية متماسكة وهذا تعلمته من الفلسفة اليابانية في الحياة، ففريقي المكون من 45 فرداً بمثابة الفروع لهذه الشجرة التي يعشقها اليابانيون».

عمل والد برونو مينارد في مجال الطهي لفترة طويلة؛ إلا أنه اتجه بعد ذلك للتخصص بصناعة الشوكولاتة الفاخرة، إلا أنه لم يسر على خطى أبيه في هذا المجال ويعلل ذلك بقوله: «لقد كانت روح التحدي بمثابة المحرك والموجّه الذي يحرك حياتي منذ البداية، وأعتقد بأنني مع ما أنجزته في فن الطهي قد اتخذت القرار الصحيح بعدم التوجه لصناعة الشوكولاتة التي ينجزها والدي واستمتع بها كثيراً، ولكني مع ذلك سأبقى ممتناً له طيلة حياتي لأنه فتح لي الباب لممارسة فن الطهي بأسلوب عريق مبتكر».

أثّرت العولمة الحديثة بأساليب الناس الحياتية من جميع النواحي، فكيف كان تأثيرها في طرق تذوقهم للطعام؛ يقول مينارد: «لا شك في أن المقولة التي تتحدث أن العالم بات قرية أو مدينة صغيرة؛ هي مقولة حقيقية بنسبة كبيرة، فعلى صعيد الطعام؛ لم تعد بحاجة للذهاب إلى اليابان لتناول السوشي، أو إلى إيطاليا لتناول البيتزا أو فرنسا لتناول طبق البط الشهير أو النبيذ الفاخر، ولكني أعتقد بأن نكهة الأطعمة في أمكنتها الحقيقية أكثر تأثيراً في المرء من الأمكنة التي تستوردها، ولقد خففت العولمة من تقاليد فن الطهي التاريخية، ولهذا فإن الشيف أو الطاهي الناجح هو الذي يستطيع التأقلم وابتكار أساليب جديدة لمواكبة ذائقة الناس حول العالم».

اشتهر العديد من الطهاة حول العالم بتأليف كتب وموسوعات خاصة للطعام وطهي الأكلات بأنواعها المختلفة، كما ظهر بعضهم على شاشات التلفزة في برامج الطهي المعروفة، إلا أن مينارد ورغم حصوله على عشرات الجوائز العالمية مشغول حالياً بالكامل في إدارة مطعمه الكبير (لوسيير) في طوكيو المصنف كأفضل مطعم للسنة الثالثة على التوالي، ولكنه رغم ذلك لم يغلق الباب إلى الآن في إنجاز كتاب أو الظهور في برنامج تلفزيوني.