الاهتمام بالمباني الشاهقة يزداد في العالم، نتيجة التحسن والتطور في معدات البناء. وقبل ستين سنة خلت، كشف المهندس المعماري، فرانك لويد رايت، عن خطة طموحة جداً لبناء ناطحة السحاب «إلينوي»، وهي الأعلى في الولايات المتحدة، ويصل ارتفاعها إلى ميل كامل.

ويجسد المشروع طريقة تفكير المهندس العالمي ونظرته إلى المدن، حيث إنه لم يكن من المحبين للمدن التقليدية. وللحفاظ على المناطق الرعوية من تهديد التمدد العمراني، تبنى المهندس الأميركي، فكرة تركيز المباني بشكل طولي في حيز جغرافي محدد.

وكان من المفترض بناء ناطحة السحاب هذه في شيكاغو، ومن المفترض أنها أعلى ناطحة سحاب على الإطلاق. وأعلى من ناطحة «إمباير ستيت»، التي يصل طولها إلى 381 متراً، وتحتوي على 520 طابقاً ومرآباً لصف السيارات، يتسع لأكثر من 15 ألف سيارة. إلا أن الفكرة بدت في حينها ضرباً من الخيال، بالنظر إلى مواد البناء المتوفرة في خمسينيات القرن العشرين.

وتوفي رايت في عام 1959، عقب ثلاث سنوات من كشفه عن خطة بناء ناطحة السحاب. ومنذ ذلك الحين، بدأ العالم يشهد نمواً في مواد البناء، وأصبحت ناطحات السحاب أكثر علواً. واليوم، يعتبر برج خليفة أطول ناطحة سحاب في العالم.

وعقب التطور الذي طرأ في مجال بناء ناطحات السحاب في العالم، درس مجموعة من المهندسين، طبيعة الخطة التي وضعها المهندس المعماري فرانك لويد رايت، ووجد أن المبنى لا يمكن أن يصمد في الهواء. وفهم هذه الخاصية مكن الخبراء من بناء مبانٍ أعلى من قبل. ولقنوا الدرس مما حدث في عام 1940 بشأن جسر «تاكوما ناروز سسبنشن»..

في واشنطن الذي تعرض للانهيار بسبب هبوب رياح وصلت سرعتها إلى 68 كيلومتراً في الساعة. ولتقليل ضغط الهواء على المباني، يجب تقليل حجم السطح المعرض للرياح، وهو ما حدث عند بناء الناطحة «بارك أفينيو» في نيويورك.

وتجاوز المهندسون المعماريون مشكلة مواد البناء التي كانت مقتصرة تقريباً على الحديد والإسمنت والمعدن وكميات من مسحوق البناء من الجير المسحوق والحصى الذي يبلغ حجمه نحو 20 ملليمتراً. وهي المواد ذاتها التي كانت تستخدم في البناء منذ العصر الروماني. إلا أن الذي تغير حالياً هو نوعية المواد وخلطتها.

ومع أشكال التطور التي دخلت على مكونات البناء والمتمثلة باستخدام البوليمرات التي تتعرض للذوبان بفعل الأشعة فوق البنفسجية، وتستخرج منها مادة الايبوكسي الصمغية، التي تعمل على سد الشقوق الموجودة بين مواد البناء. وهناك مجموعات من الخبراء تتطلع إلى إضافة البكتيريا إلى المواد الأسمنتية المستخدمة في البناء.

إشكالات التكلفة

وأحد الأبراج الذي بوشر ببنائه عام 2008، مثال على تكلفة هذه المواد، حيث بلغت تكلفة الطبقة الممهدة للمبنى، التي وصلت مساحتها إلى نحو 1400 متر مربع، مئة مليون دولار.

وعلى غرار ما يدرس المهندسون على امتداد العالم، طبيعة هذه المباني والفائدة منها، وجد المهندسون في بريطانيا انعكاس طبيعة هذا المباني على حياة الناس. ووجدوا أنها ليست ذات فائدة بالنسبة للناس، لا سيما بالنظر إلى العزلة التي يفرضها نمط البناء هذا على حياة القاطنين فيها.

وبعيداً عن الطاقة والسرعة المطلوبة لتشغيل الكثير من المصاعد في هذه الأبنية، فإن المشكلة الأساسية، تتمثل بأنابيب الحديد التي تحملها. ويمكن لكابل قد يصل طوله إلى 500 متر ووزنه، إلى 29 ألف كيلوغرام، أن يكون ثقيلاً جداً للدعم.

ويعتبر كابل «التراروب» المصنوع من مادة الكربون، أحد الحلول المثالية للأمر. واستخدمت مادة الكربون في مبنى جدة الذي يبلغ طوله 1.008 أمتار، والذي من المحتمل أن ينتهي العمل به عام 2020. ويكمن الحل الآخر في عدم استخدام الكوابل، وعوضاً عن ذلك، استخدام هياكل تسير على مسار مغناطيسي بشكل أفقي وعمودي.

معايير

بالنظر إلى الارتفاع الشاهق لناطحات السحاب، فإن مسالة إخلاء المبنى، يتم أخذها بعين الاعتبار. وعند طابق مرتفع للغاية قد يتطلب الإخلاء نحو ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين. وبالتالي، تم تصميم المبنى، بحيث يحتوي بين كل 12 إلى 15 طابقاً، طابقاً كاملاً لإخلاء المصعد.

وبالنسبة إلى معايير السلامة التي تؤخذ بعين الاعتبار فهي القطع الأفقي والعمودي للمباني، وهو ما يجعلها أكثر سلامة في وجه الرياح. أما بالنسبة إلى الكوابل التي تمر عبر الإسمنت، فإنها تزيد من قوة الضغط بشكل يؤثر في الجدران الرقيقة ، وبالتالي، فإن إضافة مادة نانوية قد يزيد من قوة هذه المباني .