يدرس العلماء بكثير من الحماس قيادة الطائرة أوتوماتيكيا وإمكانية جعله القاعدة السائدة في عالم طيران الغد، ويؤكدون عزمهم تطوير قطاع الشحن الجوي خاصة، حتى تصبح طائرات الشحن بلا طيار بحلول العقدين المقبلين.

وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أنه في عام 2009 واجهت الرحلة رقم 447 المتجهة من ريو دي جانيرو إلى باريس عاصفة استوائية وسط الأطلسي، لتقع في عرض المحيط مخلفة وراءها 228 قتيلاً.

وتكرر حادث مماثل بعد أربع سنوات، حيث تحطمت طائرة تابعة لخطوط آسيانا بالقرب من سان فرانسيسكو، قبيل وصولها المدرج مباشرة، ما أدى إلى مقتل 3 أشخاص وجرح مئات آخرين، وتحطم ذيل الطائرة بالكامل.

النظام المختلط

وبعد دراسة الحوادث تبين أن العنصر الرابط بينها هو اعتقاد الطيارين بأن نظام القيادة الأوتوماتيكي سيمنع الطائرات من التحليق بسرعة بطيئة لحمايتها من السقوط. وتبين أنهم مخطئون في ذلك، وأن هذا الدمج بين النظام الأوتوماتيكي والتقليدي هو ما تسبب بعدد من الحوادث.

ويقدر الخبراء أنه بالانتقال أكثر نحو النظام الأوتوماتيكي فإن عددا أكبر من الطيارين سيرتبكون لدى مواجهتهم مشكلات من نوع معين. فهذا الدمج هو بحد ذاته وصفة للدمار.

وبالتالي اقترح بعض الخبراء التوجه نحو الطيران الأوتوماتيكي كليا، وقالوا إن ذلك ممكن أن يتم عبر إشراف الطيارين عن بعد آلاف الكيلومترات.

وإلى جانب أمور السلامة هذه، بدا للباحثين في هذا الشأن أن ذلك سيسبب خفضا كبيرا في تكلفة الطيران، وقالت ميري كمنغز، الباحثة في الرحلات المدنية في جامعة «دوك» شمالي ولاية كاليفورنيا إن انخفاض التكلفة يتأتى من تقليص رواتب وتكلفة التدريب والتأمين الصحي والفنادق الخاصة بالطيارين.

وأضافت أن ذلك سيؤدي أيضا إلى انخفاض تكلفة الوقود المستعمل في الطائرات، فضلاً عن تقليل نطاق التلوث البيئي الناجم عن انبعاث الغازات.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو شعور الركاب في حال علموا أن الرحلة التي ينطلقون فيها من دون طيار؟ هناك حقيقة واحدة ينبغي إدراكها، تتمثل في أن الطيارين اليوم لا يتدخلون إلا في أضيق نطاق خلال رحلات الطيران. فأجهزة الكمبيوتر الحديثة باتت هي التي تتحكم تقريبا في كل تفاصيل الرحلة. وتتدخل هذه الأجهزة بعد ارتفاع الطائرات بنحو 30 مترا فقط عن الأرض، بحيث تغير في السرعات والوجهة والعلو، فضلاً عن هبوط الطائرة.

التغيرات المفاجئة

وعلى الرغم من كل هذه الفوائد للطيران الأوتوماتيكي، فهناك مجموعة من التحديات التي قد يعجز أمامها الطيارون. فهذه الطائرات تكون مبرمجة للعمل في الظروف المدروسة، لكنها تعجز عن التفاعل مع المتغيرات المفاجئة، كحدوث عطل معين في الطائرة، أو تغيرات جوية مفاجئة، كالتي واجهتها الرحلة رقم 447.

وقد يرتبك الطيارون حيال مبادرات التدخل التي يمكنهم الإقدام عليها. وعلى الصعيد ذاته، تتمثل تحديات أخرى في أن أجهزة الكمبيوتر قد تصاب بشيء من التشويش مما يؤدي إلى إرسالها مجموعة رسائل متلاحقة وزائدة عن الحد إلى الطيارين، عدا عن أنها قد تفعل أجهزة الإنذار بشكل يزيد البلبلة، ويعقد المسائل.

وكان اتحاد الشركات المصنعة للطائرات، الذي يضم شركات بوينغ وإيرباص وأنظمة بي إيه إي وداسو، قد بدأ مشروعا بحثيا لتطوير نظم الطيران بتكلفة تقدر بنحو 3 ملايين يورو، يسمى «أدفانسد كوبيت فور ردكشن أوف سترس أند وورك لود»، يهدف لتوظيف أجهزة الكمبيوتر لتقليل مخاطر التشويش أثناء الأزمات، والتي قد تؤدي إلى كثير من الحوادث.

وعلى الرغم من كل الإنجازات التي تم تحقيقها في مجال الطيران الأوتوماتيكي، إلا أنه من غير المحتمل أن تكون شركات الطيران المدني هي أول من يستخدم الطائرات بلا طيار، وإنما طائرات الشحن مثل شركة «فدكس» و«يو بي أس»، حيث من المتوقع أن تخفض هذه الطائرات عدد طياريها في الرحلة الواحدة من شخصين إلى واحد.

وهذا سيسمح بدوره باختبار التكنولوجيا، وذلك من دون وجود ركاب على متنها. وإذا أثبتت هذه التقنية نجاعتها فيمكن أن نشهد طائرات شحن بلا طيار تعمل على مدار الوقت بحلول عام 2035.

 وفي حال تم استخدام هذه التكنولوجيا قد تتكشف مجموعة من التحديات، وفي هذا الصدد يقول ميكي جمب، المهندس في جامعة ليفربول: «لا يمكن أن يكون في الجو هذا العدد الكبير من طائرات الشحن التي تعمل أو أوتوماتيكيا من دون طيار، وأن لا يزال هناك متسع للتحكم اليدوي في الطيران».

مقاومة ثقافية

يشير العلماء إلى احتمال استخدام سيارات من دون سائق، لتقديم خدمات أفضل للمستخدمين . إلا أن لهذا الأمر بعض التحديات الاجتماعية المُتمثلة في رفض الأشخاص التفاعل مع هذا النظام.

وترجع أصول هذه المقاومة الثقافية إلى ما أوضحه روبرت بور، الاختصاصي في علم النفس في رويال فري هوسبيتال : «يرجع هذا الخوف إلى القلق النفسي من عدم السيطرة الكافية، فالركاب يحبون أن يشعروا بأن شخصا ما يقودهم سواء في الطائرة أم السيارة».