ذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها، أن القمر «تيتان»، وهو أكبر أقمار كوكب زحل، يحوي سائلاً على سطحه. وأن العلماء لاحظوا بداية وجود بعض البحيرات عليه عبر مركبة الفضاء «كاسيني» عام 2006. واليوم، وبعد مرور 8 سنوات على تلك الاكتشافات، عثرت المركبة الفضائية ذاتها على سلسلة اكتشافات جديدة.

ويحيط بالقمر «تيتان» غاز الميثان السائل، وتتكون سهوله من المياه المجمدة. وقبل أن تحط المركبة «كاسيني» على القمر، أوضح العلماء أن غاز الميثان والهيدروكربونات السائلة تتجمع في البحيرات الموجودة على هذا القمر. ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بحجم هذه البحيرات، بسبب وجود طبقة من الدخان البرتقالي على سطح القمر، بحيث تخفي طبيعته.

نهر على «تيتان»

وحملت المركبة «كاسيني» مسباراً يسمى «هيوغنز»، صمم كي يطفو على سطح المياه. وعندما حط المسبار على سطح قمر زحل عام 2005، أرسل صوراً مشوشة عن المشهد الموجود هناك، وأظهر أن سطح القمر كان مكوناً من الطين. حيث تم امتصاص الغبار من الجو عبر الميثان.

وقال العلماء إن كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، موجودة على المسبار تصور السطح، ويتدخل رادار لالتقاط صور أوضح عبر الدخان. وكانت أول صورة دقيقة حصل عليها العلماء عن هذه البحيرات عام 2006، عندما كشف الرادار عن بقع داكنة في النصف الشمالي للقمر. وتبين من الصور أن مساحة أحدى هذه البحيرات كانت أكثر من 1000 كيلومتر، بحيث اعتبرت نهراً، وأطلق عليها العلماء أسم نهر «كراكين مير».

والتقط المسبار «كاسيني» صوراً لنهر آخر سُمي «ليغيا مير»، موجود على قمر «تيتان». واستطاع العلماء للمرة الأولى قياس عمق هذا النهر. وقال ماركو ماستروغويسبي من جامعة سابينزو في روما بإيطاليا، إن العلماء استطاعوا قياس عمق النهر عبر الرادار. وأضاف «كنت سعيداً جداً بهذا الاكتشاف». ويشير سابينزو إلى أن تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف عمق أي نهر ليس موجوداً على سطح الأرض. وأظهرت النتائج أن عمق نهر «ليغيا مير» يصل إلى 160 متراً.

وفي هذا الصدد، يقول ألكس هاييس، من جامعة كورنيل في نيويورك: «اعتقدنا أنه من المستحيل رؤية قاع النهر»، وأرجع ذلك إلى وجود الهيدروكربونات والغازات التي توجد عادة مختلطة على السطح غازي الإيثان والميثان. ولأن الميثان يتبخر بسرعة، يتوقع العلماء أن هذا الغاز سيبقى على السطح.

صور قمرية واضحة

ووجد العلماء لدى دراسة غاز الإيثان مخبرياً، أنه يمتص موجات اللاسلكي بشدة. وتبدو الأرض الجافة الظاهرة في الصور الملتقطة بالرادار مشعة، لأن جزيئاتها تعكس جزءاً من الضوء المسلط عليها، بينما تبدو البحيرات مظلمة.

واستطاع العلماء عبر هذه الصور رسم خريطة مبدئية عن أماكن البحيرات وحجمها على قمر «تيتان». وعليه، يقدر العلماء حجم المياه الموجودة على سطح هذا القمر هذا بنحو 70 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل حجم احتياطي النفط في العالم 55 مرة.

ويفترض هذا التحليل أن للبحيرات الأخرى الموجودة على سطح قمر «تيتان»، نفس تركيبة وخصائص بحيرة «ليغيا» ذاتها. والتقطت « كاسيني» صوراً لمجموعة من الغيوم المتكونة جنوبي قمر «تيتان». وأشارت الصور إلى وجود أمطار شمالي الكوكب، ووجدت أن هذه الأمطار ستهطل مجدداً خلال السنوات المقبلة.

ويقول العلماء إنها قد تكون أكبر عاصفة مُمطرة في تاريخ القمر «تيتان». وإذا هطلت الأمطار، فإنها ستكون فرصة لتجديد السوائل الواضحة جداً، الموجودة في المنطقة الشمالية للقمر.

وقد تملأ بحيرات وخلجاناً جديدة. وقد تطلعنا دراسة هذا القمر على مجموعة حقائق مرتبطة بكوكب الأرض. ويقول رالف لورينزن من جامعة إيزونا في توسكانا بإيطاليا: «تيتان عبارة عن مختبر يكشف العمليات الطبيعية التي تحدث على سطح كوكب الأرض. وتعد الغيوم أكبر عامل متغير في المُناخ».

وحتى الآن، تدور المركبة «كاسيني» حول قمر كوكب المريخ، وتمسح البحر وسطح القمر. ويشير مناخ «تيتان» إلى أن سرعة الرياح، يمكنها أن تزداد بنسبة مترين للثانية أو ما يقارب ذلك. وعلى الرغم من أن هذه السرعة ضئيلة، إلا أنها كافية لتحريك الأمواج على سطح كوكب الأرض.

إلا أن الجاذبية الضعيفة وخفة السوائل المُكونة للبحيرات على سطح «تيتان»، تجعل سرعة الرياح هذه كافية لتحريك المياه وإيجاد الأمواج.

رحلة المركبة «كاسيني»

تستغرق رحلة القمر «تيتان» حول الشمس نحو 29 سنة أرضية، ومنذ عام 2004، شهد المسبار الفضائي «كاسيني» نهاية فصل الصيف جنوبي القمر. وبينما يزحف الضوء على الأرض، حلق المسبار حول نصف القمر الشمالي مرات كثيرة، بحيث استطاعت كاميراته التقاط أكبر قدر ممكن من الصور.

وهذا الأمر مكن الرادار من رسم خريطة للبحيرات. وأظهرت الخرائط المرسومة أن نهر «كراكين مير» محاط بمجموعة من النتوءات الأرضية، وبسلسلة من الجزر.

 ولاحظ العلماء أن أمراً مهماً قد يحدث في هذه الفجوة البحرية. وقد تسبب الجاذبية الموجودة على القمر «تيتان»، مداً وجزراً في بحر «ليغيا». وبينما يدور القمر في مداره، فإن هذه الأمواج قد ترتفع وتنخفض لنحو متر واحد.