يبحث العلماء في تطوير مادة الغرافين واستخدامها في أجهزة متعددة الاستعمالات ومتنوعة مثل الأجهزة المنزلية والموصلات وأجنحة الطائرات. ويقولون إن خواصها الفريدة تؤهلها كي تكون في مقدمة المواد المكتشفة حتى اليوم، باعتبارها من الناحية العملية أقوى مادة في العالم.
وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن العلماء أكدوا إمكانية تشكيل الكربون بجميع الطرق المرغوبة، وأشاروا إلى أن الأنابيب المصنوعة من المواد النانوية يمكنها أن تصمد في وجه الضغوط الهائلة، عدا عن انزلاقها من داخل حاضنات أخرى بسهولة ودون أي احتكاك، إلا أن أفضل تلك المواد على الإطلاق هو الغرافين والذي من المتوقع ان يحدث ثورة في عالم الطيران وصناعة الأجهزة .
وهو نوع من الكربون، يتميز بقوة شديدة، وبمرونة وبموصلية عالية. وبفعل موصليتها العالية ستدخل هذه المادة في صناعة كل شيء بدءا من رقائق الكمبيوتر حتى الطائرات الخفيفة جدا. وتم الإعلان عن إنتاج للغرافين في دراسة نشرت في أكتوبر من عام 2004. وتتكون المادة من ورقة ثنائية الأبعاد من الكربون المُرتب في شكل كرستالات سداسية الأضلاع. ويعد كل من العالم أندريه غيم وكوستيا نوفوسيلوف من جامعة مانشستر في بريطانيا أول من صنفا هذه المادة وعرفا بها.
واستطاعا بأقل تكلفة وجهد مخبري ممكن العمل على تصنيفها، ومنها أنهما أخذا قطعة من الغرافيت واستخدما شريطا لاصقا لأخذ أخف طبقة ممكنة منه، وقد حصلا على جائزة نوبل للفيزياء في عام 2010 تقديرا لجهودهما في هذا الصدد.
مكونات الغرافين
وتتصل كل ذرة كربون من الغرافين بثلاث ذرات أخرى. ولدى كل ذرة إلكترون واحد، مما يقوي الرابطة بين الذرات وبالتالي يقوي المادة. وقد تفوق قدرة تحمل شريط من الغرافين الأسلاك النحاسية مثلا بنحو 100 مرة.
ويشار إلى أن ارتباط الكربون ببعضه البعض هو ما يكسب الماس قوة كبيرة. وتتميز كتل الغرافيت بخواص القوة هذه، حيث ترتبط ذرات هذه المواد ببعضها البعض في شكل طبقات. وتتفاعل مجموعة من هذه الطبقات بمرونة. إلا أن كل طبقة وحدها تتميز بقوة ومرونة فائقة. ومادة الغرافيت مادة غير منفدة وتمتص الأشعة تحت الحمراء، وحساسة للضوء في الوقت ذاته.
وأنشأت جامعة سنغافورة الوطنية مركز أبحاث مختصا بالغرافين أوائل عام 2010. وقدمت الحكومة البريطانية عام 2012 مبلغ 50 مليون جنيه استرليني لمركزي أبحاث لتسويق الغرافين واستغلال التكنولوجيا المحلية، واحد من هذه المراكز هو جامعة كامبردج.
ووعدت بتقديم 60 مليون جنيه استرليني للتعاون مع مستثمر من الشرق الأوسط وآخر من مانشستر. ووضع الاتحاد الأوروبي مادة الغرافين على جدول برامجه كإحدى أهم أولوياته خلال السنوات العشر المقبلة بتكلفة مشاريع قُدرت بنحو مليار دولار أميركي. ونشرت خلال السنة الماضية أكثر من 10 آلاف ورقة بحثية عن هذه المادة.
خصائص الغرافين
تؤهل سلسلة خصائص الغرافين هذه المادة للاستخدام في مجالات عدة. وبسبب قوتها وموصليتها وشفافيتها يمكن استخدامها في صناعة مواد خفيفة جدا ومميزة، مثل شاشات اللمس غير القابلة للخدش. وستحل هذه المادة محل السيليكون، الأمر الذي يكسبها أهمية خاصة جدا.
وتنبئ هذه المادة ببزوغ فجر إنتاج مواد فعالة ومرنة. وفي حالة أشباه الموصلات التي تتكون من السيليكون يجب أن تشحن الإلكترونات الموجودة داخل المادة بجرعات طاقة قليلة كي تحركها وتولد الطاقة. ويمكن استغلال الفرق في الطاقة لتمرير المعلومات. ويسمى الفرق بين طاقة الحالتين «الفجوة المحظورة» وهذه الخاصية غير موجودة في الغرافين. فإلكترونات الأخيرة تسبح بحرية تامة بشكل يمنحها الفرصة للتفاعل.
وعليه فمن الصعب إيجاد جهاز يفصل ويشغل الطاقة وقتما شاء المُستخدم. ويقول العلماء إن التحايل على خواص الغرافين الموصلة ممكن عبر وضع مواد أخرى على سطح طبقة من الغرافين بشكل يحد من حرية إلكتروناته.
ويشيرون إلى أن هناك مشكلات كثيرة تواجه صنع أجهزة من الغرافين، وفي هذا السياق يقول إين وولترز، من مجموعة «بيربتيوس كاربون» في بريطانيا: «لا أعتقد أن أحدا في العالم سيتمكن من صناعة أجهزة بشكل نهائي من مادة الغرافين».
ويضيف: «المنظرون يقولون إن للغرافين استخدامات مميزة جدا، ولكن في الواقع لاتزال المادة تثير كثيرا من القلق على الأرض».
ولجعل الغرافين مادة مستخدمة في تصنيع مختلف الأجهزة التي تستخدم في المنازل لا بد من دمجها مع مواد أخرى، ومنها السيليكون والفوسفور والجرمانيوم والقصدير. ويقول الخبراء إن الاستفادة من هذه المواد مهم لأن استعمالاتها كيميائيا وفيزيائيا دخلت مرحلة الركود.
بحوث علمية
أثبتت مجموعة علماء يعملون في المجلس الايطالي الوطني للأبحاث في روما أن السيليكون لا يتغير لدى تعرضه للهواء. وقارن علماء آخرون ما يحدث مواد مكونة من طبقتين، لكشف امكانيات استخدامها المتقدمة، ومن هذه المواد ثاني كبريتيد الموليبدينوم، والتي تحوي خاصية الفجوة المحظورة.
ويمكن للمواد ثنائية المُكون تجميع الضوء على جوانبها وتحويل الطاقة إلى كهرباء. وعلى الرغم من أنها ليست بقوة الغرافين، إلا أن من الممكن استخدامها في إنشاء محولات للطاقة.
