يتطلع العلماء إلى إحداث تغييرات جذرية في شبكة تنقية المياه عالمياً على غرار ما حدث في شبكات الكهرباء، التي باتت تعتمد بشكل أوسع على مصادر الطاقة الشمسية، وعلى الرغم من أن نظم التنقية الجديدة لا تزال في مرحلة التجريب، إلا أنهم يعلقون آمالاً كبيرة على نتائجها المستقبلية.
وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن العلماء يسعون إلى تغيير شبكات تنقية ونقل المياه لتقليل صعوبات نقلها إلى مختلف الأحياء، وتجنب إهدار كميات كبيرة منها، وبحيث يستطيع المرء معالجتها بشكل شخصي، أي تجنب التنقية المركزية ذات المشكلات العديدة.
ويقول العلماء إنه بمرور الوقت، تغيرت البنية التحتية لشبكات المياه في لندن وواجهت بعض التراجع. فخلال العام الماضي وحده فقدت شركة ثيمز، التي تزود لندن ومناطق جنوبي شرق بريطانيا بالمياه، نحو 646 مليون لتر يومياً، بسبب تسريبٍ في ما طوله 31 الف كيلومتر من الأنابيب. وهذه الكمية تكفي لسد احتياجات 3 ملايين شخص. وقدرت الشركة أن تصليح شبكة أنابيب المياه سيكلفها نحو 12 مليار جنيه إسترليني.
وفي الولايات المتحدة، يقدر الاختصاصيون حجم تسريب المياه الأكبر سنوياً بنحو 240 الف تسريب. وفي حادثة خاصة سجلت في لوس أنجليس خسارة نحو 90 مليون لتر من المياه بفعل التسريب. وفي تقرير للكونغرس، قدرت وكالة حماية البيئة الأميركية أن من الضروري استثمار نحو 384 مليار دولار أميركي في البنية التحتية للمياه لتوصيل مياه الشرب النظيفة إلى جميع أرجاء الولايات المتحدة الأميركية خلال العقدين المقبلين.
وتقدر «نيو ساينتست» تكلفة المياه الصالحة للشرب خلال عقدين من الزمن في أميركا بـ 384 مليار دولار.
تكلفة التصليح
ويشير الاختصاصيون إلى أن تصليح الأنابيب التي تسرب المياه مكلف للغاية، وسيئ على الصحة. ومن جهته يقول ميشيل بيتش: «عندما ينزل ضغط الماء عن نسبة معينة، فتلك ستكون اللحظة الحاسمة لتحرك ما». وعادة ما تتضاعف مشكلة المياه المسربة لدى وضع أنابيب نقل المياه النظيفة بجانب أنابيب المياه العادمة. وأشارت دراسة حديثة صدرت عام 2007 إلى أن أغلب الأمراض المتأتية من المياه العادمة هي أمراض الجهاز الهضمي.
وللحد من التسريب تطور شركات مثل «آي بي أم» أنظمة إدارة مياه ذكية يمكنها مراقبة معدل التدفق واتخاذ إجراء سريع في هذا الشأن. وطورت شركة «كوست انسبار» الأميركية روبوتات يمكنها الانتقال عبر الأنابيب للبحث عن مكان التسريب ومعالجته.
ويعتبر دارين رينولد، البروفسور المتخصص في الصحة والبيئة في جامعة ويست انغلاند أكد أن هذه التغيرات بمثابة تجميل الخراب الموجود، قائلاً: «نحن نلوث المياه ثم نعالجها ثم نضخها من جديد ونعيد الكرة بتكلفة أعلى ثمناً».
يشير اختصاصيو شبكات المياه في بريطانيا إلى أن البنية التحتية الحالية لضخ المياه تكفي للتعامل مع ما نحوه 150 لتراً للشخص الواحد يومياً. ويعمل دارين رينولد، البروفسور المتخصص في الصحة والبيئة في جامعة ويست انغلاند على ايجاد حلول لمسألة شبكات ضخ المياه، مدفوعاً بالتكلفة الباهظة لتصليح شبكات المياه على حالها هذا، قائلاً: «في المستقبل، لن تساعدنا هذه البنية التحتية على ايصال المياه إلى بيوتنا».
ويعمل رينولد على حل المسألة، فقد دأب منذ بداية العام الجاري على تطوير نظام تنقية مياه ضخم، يمكنه ضخ 3000 لتر من المياه في الساعة، ويكفي لسد احتياجات 1500 شخص.
ومن جهته يقول بن غرمبلز، من «يو اس ووتر الينس» إن أميركا تمتلك اليوم تكنولوجيا متقدمة لمعالجة المياه المركزية، ويؤكد أن هناك «رؤية واضحة بشأن ما إذا كان الأفضل مركزية الشبكات أو لا». ويعتقد أن من الضروري تشجيع إعادة تدوير المياه محلياً. وضرورة استخدام المياه لسقي العشب وغسيل السيارات. وعبر غرمبلز عن قلقله من أن النزعة الاستقلالية في تنقية المياه، قد تؤدي بالأغنياء إلى إنتاج مياه الشرب الخاصة بهم، وبقاء الفقراء دونها.
وبدأ غرملز وفريق عمله اختبار أرخص الطرق وأفضلها لتنقية المياه محلياً. ويرى الخبير وفريقه أن المستقبل يكمن في الشبكة المركزية التي توزع المياه الصالحة للشرب.
حقائق صادمة
انطلاقاً من حقيقة أن المياه النظيفة هي إحدى أهم الحاجات الأساسية للإنسان، أعلنت الأمم المتحدة عام 2010 أن الحصول على المياه النظيفة هي من حقوق للإنسان. ومن جهتها تقدر منظمة الصحة الدولية أن أكثر من مليار شخص لا يستطيعون الحصول على مياه نظيفة، وذلك بينما يفتقر أكثر من ثلث سكان الأرض إلى مرافق الصرف الصحي الأساسية.
وفي دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية يسهل الحصول على مياه نظيفة بمجرد فتح صنبور المياه، إلا أن ما يبدو بهذه البساطة مبني على جهود كبيرة.
