يبحث علماء من دول عدة عبر أجهزة متطورة موجهة عن بعد في المحيط المتجمد الشمالي، عن بيانات جديدة عن المنطقة المتجمدة، ضمن برنامج يدعى «مارجينال آيس زون»، يتم من خلاله تفحص أسرار شق كبير في الجليد، ودراسة كيفية استجابة الجليد للتغيرات من حوله.

وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن درجات الحرارة المنخفضة جداً لا تؤثر في وتيرة العمل، بفضل استخدام العلماء أجهزة موجهة عن بعد، من شأنها إحداث نقلة نوعية في كمية البيانات الواصلة إلى مراكز البحث المعنية.

دقة البرنامج

ويشير العلماء إلى أن برنامج «مارجينال آيس زون»، هو الأكبر من نوعه في منطقة المحيط المتجمد الشمالي. ويُشغل مجموعة من الأدوات المتخصصة في الميدان، في محاولة لرسم صورة عن كيفية استجابة الجليد للتغيرات الحاصلة في الظروف المحيطة به.

وعلى سبيل المثال، يضع العلماء نحو 20 عوامة موجهة عن بعد، تم بناؤها في مختبر مسح القطب الجنوبي البريطاني، في أغلفة ثلجية. وتجهز هذه العوامات بمجسات تقيس الهواء، وضغطه، ودرجة حرارة الجليد، وسمكه، فضلاً عن وجود كاميرات لالتقاط الصور وإرسالها عبر الأقمار الاصطناعية إلى المختبرات الرئيسية أربع مرات في اليوم.

وهناك أيضاً 10 عوامات طافية معدلة من قبل معهد «وودز هول أوشيانوغرافيك» تُعلق كل واحدة منها في الماء بحبل يصل طوله إلى 1000 متر. وتنتقل الأجهزة الروبوتية المُوجهة عن بعد على هذا الحبل كل يوم، لتقيس درجة حرارة الماء وملوحته.

وخلال وقت قصير، ستنضم إلى هذه الأجهزة أربع «طائرات شراعية، تأخذ شكل صواريخ مركبة تحت الماء، لتعمل بشكل مستقل لنحو أربعة أشهر، تنطلق خلالها عبر الماء تحت القشرة الجليدية لتقيس اضطرابات المياه ومستويات الأوكسجين المذاب.

وفي هذا السياق يقول كريغ لي، من جامعة واشنطن في سياتل، المشارك مع فريق طائرات البحر الشراعية: «كان تحقيق هذا الأمر مستحيلاً حتى العامين الماضيين. وتعتبر هذه خطوة عملاقة إلى الأمام في إطار يمكننا فعله مستقبلاً».

استثمارات ضخمة

واستثمرت القوات البحرية الأميركية نحو 12 مليون دولار في هذا المشروع، لرغبتها في التنبؤ بشكل أفضل بنسبة المناطق التي ستكون مفتوحة أمام سفن الشحن، في شمال كندا وألاسكا خلال السنوات المقبلة. وحتى وقت قريب، كانت أغلب هذه المناطق مغطاة بالجليد على مدار العام.

وبدأت البيانات المُستقاة من هذه المنطقة بالتغير. فأجهزة الكمبيوتر أثبتت فشلها المتواصل في التنبؤ بدقة درجة ذوبان الثلج في المنطقة التي بدأت تشهد حالياً تكسر الكثير من قطع الجليد وتناثرها، وذلك في كل صيف تقريباً.

وعلى الرغم من أن ذوبان الثلج هذا العام بدأ للتو، إلا أن المشاهدات تتحدى الكثير من النماذج الافتراضية الموضوعة في هذا المجال. وصورت الكاميرات الموضوعة على إحدى العوامات المُوجهة، كيفية تغير الثلج المحيط بها من جليد صلب إلى بركة كبيرة مذابة من الثلج، خلال ثلاثة أيام فقط.

وفي هذا الشأن يقول بيتر وادهامز، الباحث في فيزياء المحيطات في جامعة كامبردج: «سرعة ذلك التحول أمر لا يمكن للنماذج التقليدية تبيانه، فهي عادة ما تظهر العمليات وهي تحدث ببطء وبثبات، لكن ما ظهر من تغيرات يبدو أنها تحدث بشكل مفاجئ».

ويشير العلماء إلى أن محاكاة التغيرات على الجليد عبر هذه النماذج غير مجد حتى الآن، لأن النماذج تعمل فقط لدى وصلها بالباراميترات، وعليه فالقليل فقط معروف عن ذوبان جليد البحر القطبي. وعلى سبيل المثال فإن العلاقة الدقيقة بين الاضطرابات تحت الماء وبين منطقة الجليد الحدودية، من حيث درجات الحرارة والملوحة، غير معروفة تماماً. ولا تظهر هذه العلاقة أيضاً عبر الأقمار الاصطناعية.

الحد الأدنى

يقول أندي شيبرد، من جامعة «ليدز» في بريطانيا: «لا يمكن قياس كمية الثلج المذابة التي تسقط على سطح الجليد البحري من الفضاء، وهناك خلل كبير في دقة قياسها بوساطة هذه الطريقة». وبالتالي فإن برنامج «مارجينال آيس زون»، يجب أن يتحصل على الأجوبة الدقيقة.

ويقول مارتن جيفريز، من مكتب «نافال ريسيرتش» في لاية فيرجينيا: «القطب الشمالي يعد منطقة صعبة من حيث العمل فيها. وركزت تجارب البرامج على تكنولوجيا مستقلة وعلى تحصيل بيانات عبر وجود الحد الأدنى من البشر».