يعكف فريق من الأطباء للمرة الأولى على اتمام أول محاولة لفتح قشرة الدماغ المسؤولة عن حجز الدم في الدماغ البشري. وتحمي هذه الطبقة الواقية المحيطة بالأوعية الدماغية أثمن عضو في جسم الإنسان، ألا وهو الدماغ، من أي تهديدات خارجية قد يتعرض لها.

وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها، أنه في حال نجحت هذه التجربة، فإنها ستكون خطوة كبيرة في علاج أمراض الدماغ الخبيثة كالسرطان، وباركنسون، الذي يصيب الجهاز العصبي المركزي، والزهايمر. وسيتمكن الباحثون من معالجة هذه الأمراض عبر تمرير الأدوية إلى الدماغ.

مكونات قشرة الدماغ

وتحفظ القشرة الحاجزة لدماء الدماغ هذا العضو من السموم التي قد تسري في الدورة الدماغية. وتتكون القشرة من طبقة رقيقة من الخلايا المُبطنة، وهي الخلايا التي تغلف السطح الداخلي للأوعية الدماغية والأوعية اللمفاوية. وتحيط هذه الخلايا الرقيقة بكل الأوردة الدماغية الموجودة في الدماغ. وتمنع وصول الفيروسات والبكتيريا وأي نوع آخر من السموم إلى الدماغ. وترشد هذه الخلايا في الوقت ذاته جزيئات البروتين، مثل الغلوكوز، إلى الطريق الذي تتوجه إليه عبر آلية نقل متخصصة.

ولكن الجانب السلبي في عمل هذه القشرة، والذي يحبط عمل الأطباء خلال العمليات الجراحية، هو أنها تحجب وصول أغلب أنواع الأدوية إلى الدماغ، وتسمح لأنواع محددة من الدهون القابلة للذوبان في المواد الكيميائية من الوصول إليه. إلا أن هذه الدهون لا توازي المواد الكيميائية من حيث كفاءتها، فهذه الأخيرة تصل إلى كل خلايا الجسم، غير أنها تصيب الدماغ بالكثير من الأعراض الجانبية. وفي هذا السياق، يقول بارت دو ستروبير المدير المشارك في مؤسسة ليفين لأمراض الجهاز العصبي في بلجيكا: «فتح القشرة الحاجزة للدم له أهمية كبيرة جداً. وهذه المعضلة تشكل أكبر عائق نحو تطوير أنواع مختلفة من الأدوية المتعلقة بالجهاز العصبي».

ويقول الطبيب كوليرفو هيونينن، عالم الفيزياء الطبية في معهد «سنبروك» للأبحاث في تورينتو بكندا، والمشارك في تجارب القشرة الحاجزة للدماء، إن الطريقة التي يجب اتباعها لفتح قشرة الدماغ هي بحقن فقاعات غازية متناهية الصغر في مكان القشرة. ويشير إلى أن هذه الطريقة اكتشفت في ستينيات القرن العشرين، عندما وجد اختصاصيو الأشعة أن إدخال فقاعات صغيرة جداً في الدم، تجعل من الموجات فوق الصوتية أكثر وضوحاً. وحديثاً تم استثمار هذه الفقاعات للوصول إلى مناطق مصابة بالسرطان يصعب وصولها.

وتجرى العمليات البحثية المتعلقة بالقشرة الحاجزة للدماء على 10 متطوعين مصابين بالورم السرطاني. وأعطي المتطوعون أولاً علاجاً كيميائياً لا يجتاز منطقة القشرة الحاجزة للدماء. ومن ثم حقنوا بفقاعات صغيرة جداً تنتشر خلال الجسد كله سريعاً، بما في ذلك الأوعية الدماغية التي تمد العقل بالدم.

موجات فوق صوتية

أما العلاج التالي، فيعمل مستخدماً كثافة عالية من الموجات فوق الصوتية. ويرتدي المرضى المتطوعون قبعة تحوي مجموعة من محولات الطاقة التي توجه الموجات فوق الصوتية عبر الدماغ، كما يتم توجيه أشعة الشمس عبر عدسة عاكسة نحو نقطة معينة، وذلك لتحريك الفقاعات المُدخلة، لتنتشر بعدها وتنكمش نحو 200 ألف مرة في الثانية الواحدة. وهذا بدوره يجزئ الخلايا المُبطنة المُكونة للقشرة الحاجزة للدم في الدماغ. الأمر الذي يسمح للأدوية بالدخول إلى الدورة الدماغية والتسلل عبر القشرة الحاجزة للدم وصولاً إلى الخلايا المصابة بالسرطان.

وتُشغل الموجات فوق الصوتية لمدة أقصاها دقيقتان، لتدفع بالخلايا المُبطنة إلى 9 أماكن محيطة بالورم السرطاني للمريض. وبعد ذلك بوقت قصير، يُجري الأطباء عملية جراحية للمرضى لإزالة الورم السرطاني. ويدرس الباحثون نسبة تركيز الأدوية في المناطق التي تم توجيه العلاج لها عبر موجات فوق صوتية. ويشير الأطباء إلى أن الخلايا المُبطنة تنكمش على بعضها بعضاً مرة أخرى بعد إطفاء جهاز الموجات الصوتية، مؤكدين على أنها تعود إلى وضعها الطبيعي خلال 6 ساعات فقط.

وعلى الرغم من أن فتح القشرة الحاجزة للدم تمكن الأدوية من الوصول للمناطق المصابة بالسرطان في الدماغ، إلا أنها تسمح بدخول مواد أخرى أيضاً. وأشارت التجارب التي أجريت على الحيوانات إلى وجود عوارض جانبية قصيرة المدى لهذا النوع من العلاج. ومن جهته، يقول عالم الفيزياء الطبية، كوليرفو هيونينن: «لا نعرض الدماغ إلى نسبة أكثر من البكتيريا، مقارنة بعمليات الدماغ المفتوحة. ونظرياً، يمكن للمريض التوجه فور إجراء العملية إلى منزله».

علاج الزهايمر

يقول الأطباء أن علاج الأورام السرطانية عبر فتح القشرة الحاجزة للدم قد يواجه معضلة معينة، تتمثل في تكدس الأدوية في مناطق معينة من الدماغ وعدم انتشارها إلى كل الخلايا بانتظام. وهذا يعني أنه في حالة علاج الزهايمر مثلاً، قد يضطر الأطباء لفتح كل القشرة الحاجزة للدم في الدماغ، كي يتسرب العلاج إلى كافة خلاياها.

وفي هذا السياق، يقول عالم الفيزياء الطبية، كوليرفو هيونينن: «لا نعتبر هذا الأمر مشكلة كبيرة، فقد جربنا ذلك على الحيوانات واستطعنا نشر العلاج في كلا طرفي القشرة الدماغية هذه». وأضاف أنه في حالة علاج مرض الزهايمر، يجب تقسيم القشرة إلى أجزاء، والعمل على حقن وتوزيع العلاج على كل جزء بمفرده، لضمان وصوله إلى كل الخلايا.