يدرس علماء الكونيات كيفية انتاج ثقب أسود في مصادم هادرون الكبير، مستندين إلى كم المعلومات الهائلة المجمعة من مختلف المصادر عن الثقب الكمي، وهم يتوقعون تحقيق انجاز كبير في هذا الصدد مع تشغيل المصادم مجددا خلال العام المقبل، بعد إجراء عمليات تطوير له.
ويشير العلماء إلى أن الثقب الأسود يجتذب المواد المكونة له. ولكن إذا وجد ثقب أسود صغير فقد تكون جاذبيته قليلة، ولا تذكر، وقد يستهلك ما لا يزيد عن 100 ذرة من ذرات الأرض سنويا.
وبحسب العلماء، فإنه لو أصبحت الشمس ثقبا أسود، وهو ما لا يمكن حدوثه عمليا لأن حجمها أصغر من أن تنتج انهيارا في الجاذبية، لظلت الأرض وجميع الكواكب الأخرى تدور حولها كما السابق. وذكرت مجلة «فوكس» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أنه يمكن لحجم الثقب الأسود أن يتسع بحيث يبتلع ذرات كونية أكبر.
وفي هذا الصدد يقول العلماء إن كتلة الثقب الأسود الموجود في مجرة التبانة، وهي المجرة التي تحوي نظامنا الشمسي، مثلا، تزيد عن كتلة الشمس بنحو أربعة ملايين مرة. إلا أن هذه الثقوب السوداء تنكمش وهي في عزلة كونية.
مكونات الثقب الأسود
ويؤكد العلماء أنه في حالة اشعاع ما يعرف باسم هوكينغ، وهو اشعاع حراري يقول الفيزيائيون إنه يصدر عن الثقوب السوداء نتيجة ظواهر انقسام الصفات الطبيعية إلى ذرات أصغر، تشع الثقوب السوداء طاقة كبيرة، وهو ما يؤدي إلى فقدان كتلتها تدريجيا. وما لم تجتذب هذه الثقوب السوداء مواد اليها، فإنها ستتبخر، وكلما صغر حجمها تبخرت بشكل أسرع. وقد تتبخر الثقوب الصغيرة جدا في غضون لحظة واحدة فقط.
وبناء على هذه المعلومات استنتج العلماء أن مصادم هادرون الكبير للذرات يمكنه إحداث ثقب أسود. فليس من الضروري أن يكون حجم الثقب الأسود بحجم النجوم على سبيل المثال. وكل ما على العلماء فعله لإنتاج ثقب أسود هو دمج كتلة كافية من الطاقة في حيز صغير ليتحول هذا الأمر إلى ثقب أسود.
إلا أن لهذه الفرضية حدا أدنى من الكتلة يتمثل في ما يعرف فيزيائيا بكتلة «بلانك»، وهي وحدة الكتلة في نظام الوحدات الطبيعية، وتعادل نحو 21 مليون جزء من الغرام، أي كتلة تضاهي حجم بيضة البرغوث. وعلى الرغم من أن هذه الكتلة تبدو صغيرة جدا إلا أنها على مقياس الجسيمات الفيزيائية تبدو ضخمة جدا.
وذكرت المجلة العلمية المتخصصة أنه علاوة على استخدام مقياس الكيلوغرام، يستخدم علماء فيزياء الجسيمات وحدة قياس فولتية الإلكترونات لقياس الكتلة، وهي الطاقة التي يكتسبها الإلكترون أو يخسرها عندما يتعدى الجهد الكهربائي فولتا واحدا.
إنتاج ثقب أسود
ويشير الخبراء إلى أن الطاقة المنتجة أثناء تصادم الذرات في مصادم هادرون الكبير يمكنها ايجاد ثقب أسود مجهري. وتتناسب ثلاث من القوى الرئيسية للطبيعة مع النظرية الكمية وهي الطاقة الكهرومغناطيسية الطبيعية والقوى النووية الضعيفة والقوية. ويقول العلماء إن نظرية النسبية الفيزيائية للجاذبية تبقى النظرية السائدة في هذا المجال.
ويسعى بعض الخبراء إلى تطوير نظريات كمية للجاذبية تحت مسمى «نظرية الوتر»، ونظرية «حلقة الجاذبية الكمية»، إلا أنها بنظر علماء آخرين لاتزال غير قابلة للتطبيق. إلا أن بعض هذه النظريات توفر معلومات عن آلية تشكل الثقوب السوداء الكمية. وفي حال تم التوصل إلى معلومات مؤكدة عبر هذه النظريات، فإن ذلك سيلقي الضوء على جاذبية الكم.
ويمكن اختبار ثقوب الكم السوداء بدرجة أكبر مما توصلت اليه النظرية النسبية بشأنها، في حال قدرت جاذبية هذه الثقوب بأنها أقوى على مستوى سلم القياس الكمي. ويمكن حدوث ذلك في حال توفرت أبعاد ثلاثية للفضاء.
ويقول بعض الفيزيائيين إن هناك أبعادا مكانية اضافية تبدو صغيرة جدا لدرجة أنه لا يمكن ملاحظتها. ويشير هؤلاء إلى ضرورة وجود ستة أبعاد على الأقل لتفعيل نظرية الوتر. وفي حال ثبت وجود هذه الأبعاد على مسافة متناهية في الصغر من بعضها البعض، فإن ذلك يعني أن قوة الجذب ستكون أقوى وستقلل الطاقة المطلوبة لإيجاد ثقب أسود صغير، وهو ما يتيح بالتالي لمصادم هادرون الكبير انتاج ثقب أسود. وفي حال انتج الثقب الأسود الكمي، فإن ذلك سيؤكد على وجود أبعاد اضافية.
ويقول البروفسور ديفيد ستروم من جامعة أوريغون بالولايات المتحدة: «اذا اكتشفنا مؤشرا على وجود الأبعاد الجديدة، فإن ذلك سيدفعنا إلى مراجعة نظرية ستاندرد - وهي النظرية التي تشرح العلاقة بين الجسيمات والقوة».
ويمكن لثقب صغير اعتيادي إنتاج رذاذ معقد من الجسيمات. وكان العلماء قد توقعوا في نظريات سابقة قدرة الثقب الكمي على انتاج شيئين فقط، وهما إلكترون أو «ميون»، وهو جسيم شبيه بالإلكترون ولكنه أثقل، إلى جانب غاز سريع الاشتعال.
اكتشاف تاريخي
يقضي العلماء الذين يعكفون على دراسة فيزياء الجسيمات الساعات الطوال في دراسة المعلومات المتعلقة بتجارب «أطلس» التي تجرى في مصادم هادرون الكبير، وهي واحدة من التجارب السبع للكشف عن الجسيمات الفيزيائية على مستوى عالمي.
وبينما لا يتوقع كثير من العلماء أن ينتج مصادم هادرون الكبير ثقوبا كمية سوداء، إلا أن هناك علماء آخرين يرحبون بفكرة من شأنها هز ما بات يعرف بالثوابت العلمية التي توصل اليها العلماء في شأن الطبيعة، في خطوة تعد اكتشافا تاريخيا كبيرا.
