تمكن العلماء الأميركيون من ابتكار بدلة روبوتية أطلقوا عليها اسم «إكزوسيت» وهي عبارة عن غواصة يمكن أن يرتديها الغواص، ويهبط بها إلى عمق 300 متر تحت سطح الماء، حيث يمكن أن يبقى هناك مدة 5 ساعات في مهام تتصدرها عملية اكتشاف الكنوز الغارقة.
وذكرت مجلة «نيو ساينتست»، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن البدلة «إكزوسيت» تتكون من معادن قوية، يتصدرها الألمنيوم، تنتظم في شكل يشبه الروبوت الالي. وتساعد الغواصين على اتمام مهامهم تحت سطح الماء حتى عمق 300 متر.
تطوير بدلة الغوص
وعلى الرغم من أن البدلة صممت للغوص في أحواض مصانع معالجة المياه في نيويورك، إلا أنها جربت للمرة الأولى في مياه البحر عبر مؤسسة «وودز هول أوشينوغرافيك» في ولاية ماساتشوستس. وسعت الاختبارات الى تجهيز البدلة لتنفيذ مهمة جريئة تتمثل في البحث عن حطام سفينة رومانية قديمة من الجزيرة اليونانية «أنتيكيثيرا» في بحر ايجة.
وكان الغواصون أخرجوا ما يعتبر أقدم جهاز كمبيوتر في العالم، وهو آلة «الأنتيكيثيرا» للحساب الفلكي، وذلك من حطام السفينة العالقة في أعماق البحر قبل قرن من الآن، آملين في ايجاد الجهاز الثاني في سبتمبر المقبل.
وعادة ما يرتدي علماء الآثار بدلة الغوص التقليدية المجهزة بمعدات التنفس اللازمة. إلا أنهم غالبا ما يقضون فترات قصيرة تحت الماء بسبب مخاطر الإصابة بأمراض الضغط. وللبحث في أعماق البحار يعتمد الباحثون على المعدات الموجهة عن بعد، التي تحمل كاميرات وسونار لمسح المنطقة، أو على غواصات خاصة استخدمت لاكتشاف حطام السفينة «تايتنك» عام 1986.
وتبلغ تكلفة البدلة «إكزوسيت» 1.5 مليون دولار أميركي أو نحو ذلك. ويقول الغواص المنتدب في مهمة «أنتيكيثيرا»، فيل شورت: «البدلة هي عبارة عن غواصة يمكن ارتداؤها. ولا يشعر الغواص بضغط الماء أبدا».
وتصنع البدلة من سبائك الألمنيوم. وتجمع بين أجزائها مفاصل كثيرة كي تسهل حركة اليدين والأرجل. وتتصل البدلة بكابل يمدها بالطاقة اللازمة لدفعها أفقيا وعاموديا، فضلا عن وجود صمامات مرنة لإخراج زفير الغواصين. وتمكن البدلة الغواصين من البقاء تحت الماء نحو 5 ساعات متواصلة. ويوصل الكابل الصوت والفيديو والمعلومات المطلوب تبادلها بين فريق الغواصين وقيادة السفينة. وفي حالات الطوارئ يمكن للبطارية امداد كل شيء بالطاقة عدا محركات الدفع ونظام التخاطب الاحتياطي.
وتسيطر دواسات الأقدام الموجودة داخل بدلة الغوص على محركات الدفع الأربعة لحملها على المضي خلال الماء. وإذا انشغل الغواص بمهمة معقدة تحت الماء فإن مشغلا في الأعلى يمكنه رصد المعلومات التي تصل عبر الفيديو إلى الغواص، فضلا عن تشغيل محركات الدفع وسحب الغواص إلى سطح الماء.
توسع التجارب
وتكمن أهمية البدلة «إكزوسيت» في أنها الحل الأفضل للعمق المطلوب الوصول اليه في مهمة انتشال معدات من حطام السفينة «أنتيكيثيرا»، القابعة على عمق 120 مترا تحت سطح الماء، بالإضافة إلى حساسية القطع الأثرية. ويشار إلى أنه عندما وجد الغواصون اليونانيون الباحثون عن الاسفنج حطام السفينة في أواخر القرن الماضي، لم يسمح ضغط الماء العالي ببقائهم عند السفينة لأكثر من 5 دقائق. كان الأمر خطيرا، حيث أصيب غواصون بالشلل وتوفي أحدهم بفعل الضغط.
وفي الوقت الذي قاد فيه المستكشف جان كوستو فريق غوص للسفينة في عام 1976، لم يزد الوقت الذي أمضاه تحت الماء على 10 دقائق. ولإطالة الوقت عمد الغواصون إلى استخدام نظام تفريغ للهواء عمل على سحب الحطام قليلا، إلا أن ذلك جعل حطام السفينة عرضة للتدمير.
إلا أن التجارب الحالية لن تواجه ضيق الوقت هذا. ومن جهته قال برندان فولي، مساعد العمليات الميدانية في مختبر «ديب سبميرجنس» : «لن تواجه تجارب الاستكشاف الجديدة هذا الضيق في الوقت. فبوجود البدلة سيصبح الوقت الذي يمكننا أن نقضيه في أعماق البحار غير محدود. وما علينا سوى تلبية نداء الطبيعة».
وعلى الرغم من كل المعوقات التي أحاطت بتجارب الغوص السابقة، إلا أن الكنوز التي وجدت في الجزيرة اليونانية «أنتيكيثيرا» تمثل أفضل المصنوعات اليدوية اليونانية القديمة على الإطلاق. وتحدث هذه القطع الأثرية عن قصة السفينة الرومانية التي تحطمت على شواطئ الجزيرة الصخرية حوالي عام 60 قبل الميلاد. وكانت السفينة مليئة بالمجوهرات والبضائع الثمينة بما فيها البرونز والمرمر والحلي الثمينة والكنوز النقدية والأواني الثمينة المصنوعة من السيراميك.
قيد التجربة
قال الخبراء المطورون للبدلة «إكزوسيت» إن التجارب الأولى التي أجريت عليها في المياه المالحة لم تكن سهلة. وفي اليوم الأول ظهرت مشكلات في الكهرباء أدت إلى تعطيل المحركات. وعلى الرغم من أن عمليات البحث في الجزيرة اليونانية «أنتيكيثيرا» ستستمر عقودا مقبلة، إلا أن تجارب هذا العام ستستمر أشهرا فقط.
ويقول برندان فولي، مساعد العمليات الميدانية في مختبر «ديب سبميرجنس» إن استخدام البدلة الروبوتية محفوف أيضا بالمخاطر. ويضيف: «هذه بدلة للتجارب. ويجب علينا البحث في جعلها أكثر نفعا في عملنا. وكل ما بوسعنا فعله هو الاقتراب من الرواسب الموجودة في قاع البحر والكشف عن مكان الحطام باستخدام أجهزة الكشف المعدنية».
