توصل خبراء التكنولوجيا الحديثة، بالتعاون مع شركة »ميكروسوفت«، إلى تصنيع مرآة رقمية تعكس ما في داخل جسم الإنسان من عظم وعضلات وأعضاء داخلية بدقة عالية.

وذكرت مجلة »ساينس أند تكنولوجي« العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع أن الشخص يخضع في العادة إلى مجموعة من صور أشعة »إكس« والتصوير بالرنين المغناطيسي للحصول على درجة عالية من الدقة للأعضاء الداخلية، وهذه العملية وما يتعلق بها من جمع للبيانات تتطلب نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة تقريبا. أما بوجود المرآة الرقمية فالأمر لا يتطلب أكثر من دقيقة.

وتصور كاميرات رقمية مثبتة خلف المرآة جسم الشخص الذي يقف أمامها وتعكسها على الجهة المقابلة، بحيث يستطيع رؤيتها بوضوح تماماً كما ينظر إلى مرآة تقليدية. وتصور هذه الكاميرات حركة 24 مفصلاً في جسم الإنسان في وقت واحد، بما في ذلك عظام الركبة والمرفق والرسغ.

داخل الجسد

وستُعرض المرآة في مؤتمر »تفاعل الإنسان والكمبيوتر« في تورينتو بكندا. وخلال تجربة أجراها اكسفير مايتر، الباحث في التصوير الطبي بجامعة »باريس ساوث« ورفاقه ترك مايتر نحو 30 مشاركا لوحدهم أمام المرآة لدقائق معدودة ليراقب ردة فعلهم. ووجد الخبراء أن نحو ثلث الأشخاص بدوا غير مرتاحين ومنزعجين من تواجد آخرين ينظرون إليهم. يقول مايتر: »عندما يكون المرء طفلاً ويكتشف صورته للمرة الأولى لا يميز أنها صورته، وكذلك هي ردة الفعل الأولى لدى رؤية الشخص لنفسه أمام هذه المرآة الرقمية، حيث يبدأ باكتشاف الأجزاء الداخلية لجسمه«.

وأنشأ مايتر ورفاقه هذه المرآة لإيجاد إجابات لأسئلة فلسفية عن كيفية تواصلنا مع أجسادنا. ويقولون إن الأطباء مستقبلاً قد يستخدمون نظام المرآة الرقمية ذاته لتمكين المرضى من اكتشاف أجزاء معينة من أجسادهم، وللتحضير لإجراء جراحات معينة بدقة أكبر.

وبدأ باحثون آخرون في هذا المجال دراسة أنواع أخرى من المرايا في جامعة »ميونخ« بألمانيا، وذلك عبر إنزال شرائح للتصوير الطبي في جسم الإنسان والتقاط صور للأعضاء الداخلية.

وكذلك طور الخبراء في »الرابطة الأميركية لتطوير الأبحاث العلمية« في شيكاغو مشروعا جديدا لتحليل بيانات الأشعة التي تم عبرها رصد أجزاء معينة من الجسم قد تكون عرضة مستقبلاً للإصابة بالمرض.

 من جهته يعكف جيمس هاهن، مدير مؤسسة »بيوميديكال غنجينيرنغ« في جامعة »جورج واشنطن« على دراسة تقنية مماثلة قد تمكن الأطباء مستقبلاً من مراجعة سجل المريض الطبي. ويقول هاهن إن مشروعه يتيح فرصة لطلاب الطب التعلم من نماذج الأمراض المسجلة بواسطة هذه التقنية.

ويسعى الخبراء في شركة »ميكروسوفت« إلى برمجة المرايا الرقمية بحيث تظهر دقات القلب وحركة الرئتين. ويؤكدون أنه بات من الممكن تصوير الجسم بطرق أكثر ديناميكية وبكثير من الدقة الطبية.

لمحة تاريخية

ويشار إلى أن المرايا التقليدية تُصنع من الزجاج وتحوي على طلاء عاكس. وللمرايا تطبيقات تكنولوجية وعلمية كثيرة كاستخدامها في التلسكوب والآلات الصناعية والكاميرات وتوجيه أشعة الليزر. وربما تم أول تمثيل للمرايا عبر نظر الناس إلى أنفسهم في المياه.

وصنع الإنسان أول مرآة من الحجر المصقول والزجاج البركاني الذي يتكون عبر الزمن من الصخور البركانية. وعثر العلماء على عدد من المرايا المصنوعة من هذه المواد في تركيا يعود تاريخها إلى نحو 6000 سنة.

كما استخدم المصريون القدماء الحجر المصقول لإنتاج المرايا. وغالبا ما كانت أشكال المرايا بيضوية ولها إطار مزخرف بشتى الأشكال والألوان. وأنتجت بلاد ما بين النهرين أيضا المرايا من الحجر المصقول وكانوا يطلون القطع المعدنية المسطحة ويستخدمونها كمرآة. واكتشف الخبراء أيضا مرايا مصنوعة بالطريقة والمكونات ذاتها في أميركا الوسطى والجنوبية تعود إلى نحو 2000 سنة قبل الميلاد.

وفي الصين بدأ إنتاج المرايا من السبائك المعدنية وخليط من القصدير والنحاس. وبدمج هذه المواد تتشكل مواد عاكسة تستخدم لصنع المرايا. وصنع الصينيون المرايا كذلك من البرونز المصقول. وكانت المرايا في التاريخ القديم لأغلب الشعوب حكرا على الأغنياء لارتفاع سعر المواد الخام المكونة لها.