أكدت أبحاث حديثة، حول التأثير الذي تتركه التطورات التكنولوجية الأخيرة في مجال برامج الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي على فرص العمل، أن الوظائف التي تعتمد على المعرفة وتتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتحصيل العلمي، مثل مهن المحاماة أو الهندسة المعمارية أو الطب، لم تعد الخيار المناسب للأمان الوظيفي أو فرص العمل المغرية، كما كان الوضع في السابق.
فقد وجدت دراسة أجرتها وكالة « أسوشيتد برس»، بتحليل بيانات التوظيف في 10 دولة، أن الوظائف التي اختفت في السنوات الأربع الأخيرة لصالح التكنولوجيا الحديثة، كانت كلها وظائف بأجور جيدة في مهن تعود تقليديا للطبقة الوسطى، وليست مهنا متدنية المهارات ومنخفضة الأجر.
ونقلت صحيفة «غارديان» البريطانية عن الاختصاصيين قولهم إن لا شيء تقريباً سيبقى منيعاً عن الأتمتة في المستقبل، بعد أن قامت هذه التكنولوجيا باجتياح المتاجر والمصانع وتحويل الأعمال الصغيرة والكبيرة والبدء بتثوير المهن المختلفة.
وأعرب أكاديميان بجامعة أكسفورد، وهما كارل بنيديكت فري ومايكل أوسبورن، عن اعتقادهما بأن توظيف أجهزة الكمبيوتر يمكن أن يجعل نصف الوظائف قابلة للاستغناء عنها في غضون 10 إلى 20 عاماً من الآن. وهذا لا ينطبق على العمل المكتبي والخدمات فحسب، وإنما على كل الوظائف.
ومن جهة أخرى، يرى أريك بريانجولفسون وأندرو ماكافي في كتابهما المثير للجدل بعنوان «عصر الآلة الثاني»، أن العالم يواجه حالياً فترة مكثفة من «التدمير الخلاق». ويحذران من أن العالم :«لم يسبق له أن مر بأوقات عصيبة أسوأ حالا من أن يكون العامل بمهارات وقدرات عادية، لأن الكمبيوترات والروبوتات وغيرها من عناصر التكنولوجيا الرقمية تكتسب تلك المهارات والقدرات بمعدلات مذهلة».
فماذا سيعني هذا الأمر بالنسبة لمن يسعى إلى مهنة مميزة؟
يقول ريتشارد ساسكيند في كتابه «ما وراء المهن» إننا: «سوف نرى عملية تحلل للعمل المهني إلى أجزائه المكونة». ويتوقع مسارا لا يبعد كثيرا عن تقسيم العمل الذي قضى على الحرفيين في الماضي، ما يطلق عليه «تحلل الخبرة إلى عشرات من العمليات التبسيطية».
دور القانون
منذ خمس سنوات، أسس تشارلي مور شركة خدمات قانونية عبر الإنترنت، وأصبح لديه الآن 30 مليون مستخدم. ويدفع المشتركون رسماً شهرياً للنفاذ إلى الوثائق المعدة مسبقاً والدروس الخصوصية، بالإضافة إلى الاستشارة القانونية من خبراء في شركات قانونية. والعمل الذي يقوم به المحامون على الشبكة يأخذ «أدواراً عديدة من شخص إلى عدد كبير من الأشخاص».
ويرى مور أن القضاة سينتقلون بدورهم إلى الإنترنت، حيث يقول: «يجب أن تكون لدينا محاكم على الإنترنت. وأستراليا بدأت في اختبارها. ونيويورك بدأت أيضاً مع تذاكر وقوف السيارة. ويضيف مؤيدا الفكرة: »من يعتقد أن عليه التوجه إلى مبنى حكومي من أجل تذكرة مرور؟ كم في ذلك من مضيعة للوقت!«.
الهندسة المعمارية
تأسست شركة برمجيات الكمبيوتر »اوتودسك« في عام 1982 وهي تقوم بابتكار أدوات رسم على الكمبيوتر يستخدمها ملايين المهندسين المعماريين.
ويعتقد نائب رئيس الشركة أنه ليس لدى المهندسين المعمارين ما يخشونه من الذكاء الاصطناعي، فالرسم على الكمبيوتر لن يبتكر القطعة الأكثر إثارة في الهندسة المعمارية. ويؤكد أن التكنولوجيا لن تقضي على المهنة، لكنها ستجعلها اكثر انفتاحاً.
متاهة الطب
تقوم شركة »أكس برايز« بسلسلة من المسابقات في مجال الابتكارات التكنولوجية، وتقدم مكافآت تصل قيمتها إلى 10 ملايين دولار. وستمنح مكافأة لأول فريق يقوم بإنتاج جهاز »ترايكوردر« قادر على تشخيص 15 مرضاً من دون استشارة طبيب. ويقول رئيس شركة بيت ديامانديز: »القضية تتعلق بتأمين الكمبيوتر للبيانات، والكمبيوتر قادر على دراسة الملايين من العوامل المتغيرة أكثر مما يفعل الإنسان«.
والأمر لا يقتصر برأيه على التشخيص، فالجراحون بدورهم سوف يفسحون المجال للروبوتات. ويستشهد ديامانديز بالمنظومة الجراحية »دا فنشي« التي تمكن الجراح من التحكم بالعمليات على الإنترنت من أي مكان في العالم.
تفوق
يرى اختصاصيو التكنولوجيا الطبية أنه يتعين على الأطباء القبول بأن الكمبيوترات هي أفضل في بعض المجالات منهم. فبرامج الكمبيوتر تتفوق على اختصاصي الأشعة، الاستبيانات على الكمبيوتر تحل محل الاختصاصيين في التشخيص. كما يتوقعون أن يفسح الجراحون المجال للآلات الأكثر ذكاء كالروبوتات في المستقبل.
ويطلق بيت ديامانديز رئيس شركة »أكس يرايز« على هذه التحولات بـ»التكنولوجيا المجردة«. وهو يلفت النظر إلى الطريقة التي تحولت فيها الكاميرات والتسجيلات إلى تطبيقات مجردة على الهاتف وبكلفة معدومة، ويرى أن الرعاية الصحية تتجه في المسار نفسه نحو »التجريد والديمقراطية".
