نحن بلا شك نخطو نحو عصر التكنولوجيا الذكية. فأجهزة الكمبيوتر جيدة بشكل لافت، لا سيما في توجيه السيارات من دون سائق، وفي التغلب على البشر بلعبة الشطرنج. وكما يشير كل من إريك برينجولفسون وأندرو مكافي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كتابهما «عصر الآلة الثاني»، فإن أجهزة الكمبيوتر تضطلع بدور أكبر يوماً بعد يوم في الوظائف المعرفية، كاختيار الأسهم وتشخيص الأمراض وإصدار قرارات العفو عن السجناء. ولدى تزايد مهام أجهزة الكمبيوتر، فإن قيمة بعض المهارات الفكرية ستقل حتماً، لأن هذه الأجهزة ستتولى القيام بها.
لكن أي المهارات البشرية سترتفع قيمتها في ظل الاستخدام المطرد لأجهزة الكمبيوتر؟ في عالم الأخبار، بعض هذه المهارات تبدو جلية بالفعل. فمثلاً كافأت التكنولوجيا محبي التواصل السريع من المغردين على برنامج «تويتر»، أو محبي نشر المقالات الفكرية الطويلة من المدونين، غير أنها أضرت التقليدين من الكتاب، الذين عادة ما يغطون التقارير اليومية. وكافأت التكنولوجيا رسامي «الغرافيك»، أيضاً، الذين يستطيعون تمثيل البيانات إلكترونياً، غير أنها أضرت أولئك الذين لا يستطيعون تحويل التقارير المكتوبة إلى عروض الفيديو. وبصورة أشمل، فإن زمن التكنولوجيا الذكية يبدو أنه يكافئ بعض الخصائص على حساب الأخرى، وأولها الحماس. فحجم المعلومات المعروض أمامنا غير محدود عملياً، وبالتالي فهل يمكن حساب هذا الكم من المعلومات بالأدوات الحديثة؟ الأشخاص الذين يبدو أن لديهم نهم تفسير الأشياء هم الذين يبحثون عن إرضاء فضولهم. ويمكن أن يكون هؤلاء الفضوليون قد بدأوا بلعب ألعاب إلكترونية تثير فضولهم لتحقيق المزيد من المنجزات فيها، أو هم من أولئك الذين يسهرون طيلة الليل للدراسة، ولكن عليهم الآن الاستغراق أكثر في تفسير هذا الكم الهائل من المعلومات. وفي كتابه «أذكى مما تظن»، يصف كلايف ثومسون عمل ديب روي، الذي أحاط منزله بالمعدات التي تسجل كل كلمة تلفظ بها هو أو زوجته خلال الفترة التي كان يتعلم فيها طفله الكلام. وهذا التزام كامل وانغماس في محاولة فهم طريقة تعلم اللغة.
وعلى جانب آخر، يبدو التاريخ وكأنه يكافئ الأشخاص، الذين يملكون وقتاً كافياً في حياتهم وتخصصات معينة، فعندما كان جيري كاسباروف يلعب الشطرنج ضد لاعب افتراضي، قال إن ذلك اللاعب امتلك تكتيكات أفضل، بينما هو امتلك شخصياً توجيهاً استراتيجياً أفضل. ولا يبدو هذا الأمر مثيراً للدهشة. فالكمبيوتر يمكنه حساب خيارات لا حصر لها، إلا أن الإنسان يمكنه الإحساس وتكوين انطباع عام عن فكرة معينة.
ويمكن القول إن عصر التكنولوجيا الذكية يبدو وكأنه يكافئ المهندسين المعماريين. وعلى الرغم من أن أجهزة الكمبيوتر هذه لا تأتي بأفكار جديدة، إلا أنها توفر أنظمة يمكن للأشخاص توظيف أفكارهم فيها.