يعكف علماء الطاقة المستدامة على امتداد العالم على البحث في كيفية الاستفادة من طاقة المحيطات الحرارية وتحويلها إلى مصدر طاقة القرن الواحد والعشرين الرئيسية.

وذكرت مجلة «نيو ساينتست» العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن الخبراء أكدوا أنه من الناحية النظرية يمكن لطاقة المحيطات الحرارية توفير الطاقة بما يعادل أكثر من 4000 ضعف الطاقة التقليدية على مدار العام، إضافة إلى نظافتها بحيث لا تنتج غازات دفيئة أو تلوث البيئة بمخلفات صلبة صعبة التحلل.

وعلى الرغم من حجم الاستفادة الكبيرة المُقدرة من هذه الطاقة المستمدة من المحيطات، إلا أن العلماء يشيرون إلى أن استخلاصها قد يكون أمراً غير عملي. واللافت للنظر هذا العام هو كثرة المشاريع المخصصة لهذا الموضوع، لا سيما تلك التي تُشرف عليها شركة «لوكهيد مارتن»، العملاقة في مجال الصناعات.

ويعد استخراج الطاقة أمراً ذا أهمية كبيرة عُني به البشر منذ الأزل، حتى إن الأمر ظهر في أدبيات الكتاب الذين كانوا ينقلون صورة الواقع المجتمعي وما كان يدور فيه من أحاديث، ومن أمثالهم كاتب الخيال العلمي جول فيرن، الذي روى في أحد كتبه أنه يمكن استخراج طاقة المحيطات الحرارية بإنشاء دائرة كهربائية بين سلكين موضوعين على أعماق سحيقة في المحيطات، وبالتالي يمكن توليد الطاقة الكهربائية عبر التباين في درجات حرارة هذه الأسلاك.

وبعد مرور 11 عاما على طباعة هذا الكتاب، وهو رواية بعنوان «20 ألف فرسخ تحت سطح البحر»، عرض الفيزيائي الفرنسي جاكو أغسين دارسونوفال أول نموذج عملي لمصنع توليد طاقة كهربائية باستخدام الوسيلة ذاتها. واستخدم الفيزيائي الفرنسي أنابيب تم مدها إلى أعماق سحيقة تحت الماء لتعمل على إنتاج طاقة البخار بالاستفادة من التباين في درجات حرارة المحيط.

محيطات كهربائية

ويقول الخبراء إن الفكرة ذكية جداً، فالمحيط يعتبر مكمن تخزين للطاقة الشمسية، التي تتركز معظمها في الـ100 متر الأولى من سطح المحيطات، بينما يبقى الماء تحت هذا الامتداد متدني الحرارة ليصل إلى نحو 4 إلى 5 درجات مئوية، وذلك على عمق 1000 متر. ولتوليد طاقة من هذه الفروقات الحرارية فإن الأنظمة الحديثة تعمل اليوم على الضخ في الأنابيب الموضوعة على سطح المياه الدافئة مادة سائلة مثل الأمونيا، التي تمتاز بدرجات غليان منخفضة.

وعند بدء المادة بالغليان يتكون بخار يستخدم في إنتاج طاقة المحركات المولدة للطاقة الكهربائية. ويتم بعدها ضخ مياه المحيطات العميقة الباردة عبر الأنابيب مرة أخرى لتتكثف الأمونيا مجددا وتتحول إلى سائل، وبالتالي تبدأ العملية من جديد. وتعمل توربينات الطاقة البخارية الحالية على إمداد معظم محطات الطاقة في العالم، إلا أن البخار الناتج من خلالهما ينتج عبر حرق الفحم الملوث للبيئة، وقد يولد مخلفات يصعب التخلص منها.

وربما تبدو هذه الأفكار سهلة التطبيق، إلا أن وضع أنابيب على عمق 1000 متر في المحيطات، أمر قد يبدو صعب التنفيذ، لا سيما مع ضرورة ضخ المياه إلى أعماق سحيقة بمحركات قوية تتحمل ضخ عدة أمتار مكعبة في الثانية الواحدة لإنتاج ميغاواط واحد من الطاقة.

وتحتاج هذه التقنية إلى فروقات في درجات الحرارة تصل إلى 20 درجة مئوية بين سطح المحيط وأعماقه. ومثل هذه الظروف لا تتوفر إلا في نطاق ضيق من المحيطات، التي تتمثل في المناطق المدارية شبه الاستوائية.

مستقبل مشرق

وعلى الرغم من هذه العراقيل، إلا أن القرن العشرين كان مليئا بالجهود المثمرة في هذا الشأن.

وبدت أكثر هذه الجهود نفعا تلك التي تلت أزمة النفط في العالم، مما دفع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إلى التوقيع على قانون يكفل إنتاج 10 آلاف ميغاواط من الكهرباء باستخدام هذه التكنولوجيا، وذلك عام 1999، غير أن أسعار النفط عادت إلى الانخفاض آنذاك من جديد.

ويؤمن الخبراء المدافعون عن هذه التكنولوجيا أن العالم سيعتمد أكثر فأكثر على إنتاج الطاقة بهذه الطريقة وإن كان بأساليب أكثر حداثة، كاستخدام السفن لتجميع الطاقة الكهربائية من المحيطات. وللتخلص من مشكلة الأنابيب الموصلة للطاقة المُنتجة عبر السفن يبحث الخبراء فصل الهيدروجين عن الأوكسجين الموجود في مياه المحيطات قبل تخزينه في خلايا الطاقة ونقله ليتم استخدامه على امتداد العالم.