يدرس الخبراء كيفية الاستفادة من الحمض النووي للإنسان في تحديد ملامح وجهه. وقد تُمكن هذه الأبحاث الباحثين من تحديد وجوه أسلافنا البشرية، فضلا عن الكشف عن أشكال المجرمين، ونسبهم لتسهيل القبض عليهم.

وذكرت مجلة "نيو ساينتست" في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع أنه في عام 2012 تمكن فريق من الخبراء بقيادة مانفرد كيسر من جامعة "اراسموس" الطبية في هولندا من التعرف على خمس جينات تؤثر في شكل الوجه. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تعتبر أولية الا إنها تمهد الطريق نحو نتائج أوسع.

وأجريت الدراسة على مجموعات بشرية من إفريقيا وآسيا وأوروبا، وذلك للحصول على أكبر عدد من الجينات المؤثرة في تحديد شكل الوجه، حيث التقطت لهم صور ثلاثية الأبعاد بواسطة كاميرات مُجسمة. وتمكن فريق جامعة "اراسموس" من تحديد شكل مقلة العين، وطرف الأنف.

المحاكمة الجنائية

أما فريق مارك شريفر من جامعة "بنسيلفانيا" فقد حدد بالتعاون مع فريق متخصصين آخرين نحو 7000 نقطة في الوجه، وطوروا نموذجا إحصائيا يمكنه تحديد التفاعل بين الجينات والنوع والمعلومات المتوفرة عن الأسلاف محددة بذلك الشكل الكلي للوجه.

ومن ثم اختبر الباحثين مجموعات المتطوعين المتنوعة، واكتشفوا أن هناك 76 متغيرا في الجين البشري قد تتسبب بشذوذ الشكل لدى تغيرها. وأكدوا أن التغيرات الطبيعية في الجينات قد تؤثر بشكل بسيط على شكل الوجه. وبعد استخدامهم النموذج الاحصائي وجدوا أن 24 متغيرا في 20 جينا مختلفا يمكنه التنبؤ بشكل الوجه.

ولاتزال التقنية المتعلقة بالمتغيرات الجينية غير جاهزة بعد للاستخدام الروتيني في مختبرات الكشف عن الجريمة. غير أن مختصين في هذه البحوث يؤكدون أن تطبيق التقنية أمر ليس ببعيد مؤكدين "إنه في غضون 5 أو 10 سنوات سنكون قادرين على التنبؤ بشكل الوجه حسابيا".

وبحسب الخبراء فإنه حتى لو أصبح من الممكن التنبؤ بشكل دقيق للوجه فإنه لن يتم استخدام الصورة كدليل في المحاكمة الجنائية، بل سيتم الكشف عن الحمض النووي لمرتكب الجريمة الذي يشابه شكله شكل الصورة الإلكترونية ويقارن بعينات الخلايا البشرية المُلتقطة من مسرح الجريمة. ولذلك فإن الصورة تقدم ايحاء نفسيا يضيق من خيارات البحث عن مرتكب الجريمة، بدلا من الوسائل التقليدية التي يقدمها الطب الشرعي.

ويأمل بروس بودويل من جامعة "نورث تاكسس" الخبير السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي بأميركا والمتخصص في تحليل الطب الشرعي بأن تقود هذه التقنية الحديثة إلى تصور أدق للوجه مع التقدم في الأبحاث، ويقول : "الخطوة التي وصلنا لها حتى الآن بسيطة، ولكن إذا توفرت لديك معلومات جينية يمكنها أن تقود الرسام لتحديد تفاصيل وجه مرتكب الجريمة بشكل أدق".

أسلاف الإنسان

ومن باب الفضول يدرس الخبراء كيفية استخدام هذه التقنية في الكشف عن شكل أسلاف الإنسان. ويقول مختصون إن المعلومات المتوفرة عن الخلايا البشرية للإنسان البدائي التي تحتفظ بعض المتاحف بجماجمهم قليلة جدا، ولذلك فإن هذه التقنية قد تساعد في معرفة أشكالهم بشكل أكثر دقة : "لا نعرف إلى أي حد امتدت أنوفهم، وهذا يصعب على الرسامين تخيل أشكالهم". ويأمل الخبراء أن يزاوجوا بين المعلومات المتوفرة عن الإنسان البدائي وهذه التقنية الحديثة لاكتشاف نتائج جديدة عن تاريخ أسلاف الإنسان.

يشار إلى أن معظم الحمض النووي وهو المادة الوراثية الموجودة في البشر وفي كل الكائنات الحية الأخرى يقع في نواة الخلية، والباقي ممكن أن يوجد في ما يعرف بالحمض النووي. وتخزن المعلومات في الحمض النووي على شكل رموز تتكون من أربع قواعد كيميائية "الأدنيين" و"غوانيين" و"سيتوزين" و"ثيامين". ويتكون الحمض النووي من ثلاثة مليارات قاعدة، وتتشابه أكثر من 99% من هذه القواعد لدى البشر. ويحدد ترتيب هذه القواعد المعلومات المتوفرة شكل الكائنات الحية ويحافظ على تناسلها.

وتقترن هذه القواعد ببعضها البعض على شكل أزواج. ويمكن للحمض النووي أن يكرر نفسه، وهذا أمر بالغ الأهمية لدى انقسام الخلايا، لأن كل خلية تحتاج إلى نسخة طبق الأصل عن الحمض النووي الموجود في الخلية السابقة.