يطور الباحثون وخبراء التكنولوجيا رقاقات إلكترونية تنتج لدى وضعها في الدماغ خلايا جديدة، بالإضافة إلى أجهزة تقرأ نشاطات الدماغ وتستخدم المعلومات في برمجة الرقاقة الإلكترونية وتنزيل معلومات الدماغ إلى الكمبيوتر.
وذكرت مجلة «ساينس أند تكنولوجي»، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع، أن هذه الفكرة غذت كتاب الخيال العلمي والباحثين المتخصصين بالدماغ والكمبيوتر، ودفعتهم للكتابة والتمحيص في هذا المجال طيلة العقد الماضي.
إلا أن هذه الأفكار باتت اليوم حقيقة، فالباحثون في جامعة «سوذرن كاليفورنيا»، بقيادة ثيودور برغر، يتهيأون لاختبار الرقاقات الدماغية الإلكترونية. وكانت مجلة علمية قد أجرت مقابلة مع الباحث برغر قبل سنوات مضت، حيث كان يتحدث عن رغبته في زراعة رقاقات إلكترونية بين الأذنيين.
ويوضح برغر أن وضع هذه الرقائق في الفص الصدغي من الدماغ الوسطي ناجم عن أن هذه المنطقة هي المسؤولة عن تشفير الذكريات وإرسالها إلى مناطق أخرى في الدماغ. وهي المنطقة التي تتعرض للتلف جراء الإصابة بالجلطات الدماغية أو الصرع أو الزهايمر. ووضع هذه الرقاقات في هذه المنطقة سيُمكن المصابين بالأمراض المذكورة من استعادة قدرتهم على تشفير الذكريات وتخزينها مرة أخرى.
برمجة الرقاقة الإلكترونية
ويتمحور عمل برغر حول برمجة الرقاقة الإلكترونية هذه، وهو الجزء الأكثر إثارة للدهشة في بحثه برأي المختصين. وأثناء إجرائه لمجموعة اختبارات على الرقاقة، حفزها برغر عبر ملايين الإشارات الإلكترونية، استطاع بناء نموذج رياضي لنتائج هذه الإشارات وتحويلها إلى رقاقة إلكترونية. وتم دمج هذه الرقاقة مع بقية أجزاء الدماغ عبر مجموعة من الأقطاب الكهربائية.
ويبحث الخبراء حاليا ما إذا كانت هذه الرقاقة ستعمل بفعالية لدى وضعها في الدماغ على اعتبار أنها جسم صناعي يخشون أن ترفضه بعض أدمغة المرضى. ويقول برغر إن الرقاقات التي يماثل حجمها حجم حبة الفستق والتي تعمل بالتحفيز بأشعة الليزر يمكنها إعادة إنتاج 100 ألف خلية عصبية.
ويقول الخبراء إن فعالية هذه التقنية قد تزداد بشكل كبير عندما تتحول إلى تقنيتي «النانو» و«الحوسبة الكمية» بصورة حقيقية. ويفترض العلماء أن قنوات الاتصال في الدماغ من الشعب والمحاور المحيطة بالرقاقة الإلكترونية ستنمو في هذا الجسم الصناعي وتحيط به وتتفاعل معه.
ويواجه هذا الاختراع تحديات عديدة منها، ما إذا كان أي جسم زرعت فيه هذه الرقاقة سيسيطر على خلايا الذاكرة الموجودة أصلاً، أو ما إذا كانت الرقاقة ستخزن كل شيء بالكامل، لا سيما أن صحة العقل البشري تحتاج إلى النسيان كي يشفى المرء من بعض الأمراض، كالنفسية منها.
من جهة أخرى، وحرصاً منه على عدم الاستغلال التجاري لهذا الاختراع يقول بوب وليمسون، الرئيس السابق للسياسات العلمية في الأكاديمية الأسترالية للعلوم، إن على أستراليا الانضمام إلى هذا السباق العلمي الدولي لبناء دماغ صناعي، وذلك للمشاركة في العوائد الصحية والاقتصادية التي ستتدفق من المشروع العلمي المرموق هذا. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، فإن الانضمام لهذا المشروع يعني ترتيب مجموعة التزامات على البلاد في السنوات المقبلة، تبدأ بالإنفاق على البحوث العلمية طويلة المدى المتعلقة بالدماغ.
ويخشى الخبراء في الأكاديمية الأسترالية للعلوم من أن عدم الانضمام إلى هذا المشروع يعني أن البلاد ستتخلف عن اللحاق بركب الدول الطليعة في هذا المشروع، الذي سيحقق نتائج واسعة في حقل بعض الأمراض العصبية الأكثر شيوعاً على امتداد العالم، مثل الزهايمر ومرض «باركنسون»، العصبي.
تخطيط استراتيجي
وأوصى تقرير صادر عن الأكاديمية الأسترالية للعلوم، بأن تسخر الحكومة الأسترالية مشروعاً طويل الأمد تصل تكلفته إلى نحو 250 مليون دولار أميركي على مدى 10 سنوات كاملة عبر تأسيس وحدة بحوث منسقة تسمى «اوس برين».
وباستخدام مهارات الباحثين على امتداد العالم، سيسخر مشروع «اوس برين»، قدراته لجعل العلماء من شتى المجالات يتعاونون فيما بينهم، بمن فيهم علماء الأعصاب، والجينات، والكمبيوتر، بحيث ستقع على كاهلهم مسؤولية إيجاد هذه الرقاقات الإلكترونية.
وألهمت هذه المهمة صناع القرار في الاتحاد الأوروبي لتخصيص أكثر من مليار يورو للمشاريع المتعلقة بعقل الإنسان.
وفي العام الماضي، انضمت الولايات المتحدة إلى هذا السباق، حيث خصص الرئيس الأميركي باراك أوباما مليار دولار أميركي لدعم مشاريع العقل الإلكتروني. ويشار إلى أن الصين والنرويج تنفقان أيضاً على هذا النوع من المشاريع.
تجارب سابقة
تأمل الأكاديمية الأسترالية للعلوم عبر تمويلها مشاريع الدماغ البحثية الاستراتيجية أن تلحق بالدول المتقدمة، وهي تتفادى بذلك تكرار الخطأ الذي وقعت به لدى عدم مشاركتها في مشاريع الجينات العالمية، التي نفذتها كبريات الدول، وأدت إلى الحصول على نتائج إيجابية في مجال الطب على وجه الخصوص.
ويقول بوب وليمسون، الرئيس السابق للسياسات العلمية في الأكاديمية الأسترالية للعلوم: «إذا لم نشارك في إنجاز البحث فلن نكون من أولئك الذين يستفيدون من العوائد الاقتصادية».
