كشف علماء الكون عن موجات في النسيج الكوني يمكن من خلالها معرفة ماذا حدث في الحقبة الأولى من نشأة الكون. ويرسخ اكتشاف هذه الموجات البدائية فكرة مرور الكون بطفرة من النمو السريع تسمى التضخم.

وذكرت مجلة "نيو ساينتست" العلمية المتخصصة، في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع أن نظرية التضخم ترتبط بفكرة تقول إن هذا الكون الواسع يولد باستمرار منظومات كونية صغيرة داخله تحوي مجرات ونجوم وسدم. وتسمى هذه الموجات "موجات الجاذبية".

وكان العلماء العاملون مع مشروع تلسكوب "بي إي سي إي بي 2" في القطب الجنوبي قد أعلنوا عن اكتشاف هذه الموجات عبر الخرائط الكونية. وأظهرت هذه الخرائط أن أول ضوء انبعث قبل نحو 13.82 مليار سنة عقب تشكل الكون.

الخرائط الكونية

وأمضى فريق "بي إي سي إي بي 2" نحو ثلاث سنوات وهم يحللون الخرائط الكونية للبحث عما يسمى نموذج " الاستقطاب بي". وتشير الدوامات المرتسمة على الخرائط حدوث تشابك في الضوء.

ويقول الخبراء إنهم واثقون من أن هذا النموذج يمكنه تفسير أسرار الغبار الموجود في مجرتنا والتشوهات الناجمة عن جاذبية المجرات الأخرى لها، كما يفسر الخطأ الذي عرضه التلسكوب. ويمكن عبر هذا النموذج أيضا استنتاج أن الدوامات الكونية تكونت عبر موجات الجاذبية الأولية المتشكلة.

ويقول أفي لويب، الباحث في جامعة "هارفرد" : " إذا تم تأكيد هذه الاكتشافات فإن النتيجة ستشكل أهم خبر تم رصده في علم الكونيات خلال السنوات ال15 الماضية، وستفتح بابا جديدا للتعرف على بداية نشوء الكون، وسيكون له تأثيرات أساسية في توسع النماذج الفيزيائية المعروفة حاليا"، مضيفا "إذا كان الاكتشاف حقيقيا فإن الإنجاز سيحظى بجائزة نوبل".

وبالنسبة لبعض النظريات فإن مجرد إثبات أن التضخم الكوني قد حدث بالفعل، فذلك علامة على تعدد الأكوان. ويقول أندريه ليندي من جامعة "ستاندفورد" في كاليفورنيا بالولايات المتحدة : "إذا كان هناك تضخم فبالتأكيد هناك أكوان متعددة، فكل اكتشاف يشير إلى التضخم يصب في مصلحة نظرية تعدد الأكوان".

من جهته يقول ألن غوث، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا : "التضخم يعتمد على نوع من المواد تحول الجاذبية رأسا على عقب وتجعلها منفرة".

وتشير نظريات كثيرة إلى أن ما يعرف بجسيم التضخم يضمحل عبر الزمن كالجسم المشع، وبالتالي فحتى يعمل التضخم تحتاج هذه الجسيمات الافتراضية إلى الاستمرار فترة أطول من فترة التضخم ذاتها.

ويقول مارك كاميونكوسكسي، من جامعة "بالتيمور" عندما عرضت فكرة التضخم قبل 30 عاما كانت عبارة عن ملف من النظريات الخيالية، وما آمله هو أن هذه النتائج الأخيرة ستعيد التفكير العميق في نظرية تعدد الأكوان حتى نستطيع بعد 20 سنة ايجاد دلائل تؤكدها".

الدوامات الكونية

وفي الوقت الحالي توفر دراسة الدوامات الكونية المكتشفة في الخرائط أخيرا تفاصيل عما كان عليه الكون بعد نشأته. فقوة الموجات الكونية وتردداتها التي اكتشفها فريق الخبراء يظهر تداخل الموجات مزيجاً من الجسيمات تحمل طاقة يزيد حجمها ب 10 تريليونات مرة عن طاقة الذرة الناشئة لدى تكون الكون.

ويتوقع الخبراء بأن ثلاثة طاقات فيزيائية أساسية من أصل أربعة وهي "الطاقة الضعيفة والقوية والإلكترومغناطيسية" قد نتجت من ذلك. ويعتبر هذا الاكتشاف أول خطوة لاكتشاف الجاذبية الكمية، وهي واحدة من أعقد النماذج الفيزيائية. وتقتصر قدرة هذه النظرية حاليا على تفسير سلوك الجسيمات الأولية والقوى الثلاثة المذكورة، إلا أنها تخفق في تفسير القوة الرابعة وهي الجاذبية.

ولا يفسر اكتشاف موجات الجاذبية البدائية هذه الرابط بين ميكانيكا الكم والجاذبية ولكنها تفسر كيف تطيع الجاذبية الكم. ويقول العلماء إنها المرة الأولى التي استطاعوا خلالها اختبار أوجه طاقة الكم.

وبالنظر إلى الإمكانية الهائلة للنتائج المكتشفة يقول العلماء إن الخريطة الكونية الثانية المتوقع الحصول عليها من فريق العلماء العامل مع مشروع تلسكوب "بي إي سي إي بي 2" ستحمل بداخلها بيانات عن عدد الأكوان المتداخلة في كوننا.