تشير إحصاءات حديثة إلى أن تأييد الرأي العام بشكل مطرد لإجراء تجارب على الحيوانات منذ خمسينيات القرن العشرين، تراجع من نحو 90% عام 1949 إلى 57% عام 2013.
ويرجح الخبراء أن تنخفض تلك النسبة لأكثر من ذلك مستقبلاً، وذلك لرفض الجيل الشاب على امتداد العالم هذه الممارسات بحق الحيوانات.
وتشير صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير حديث لها حول هذا الموضوع إلى أن هذه الأنباء لا تشكل قلقاً لأصحاب المختبرات، وذلك لوجود بدائل عن الحيوانات تعكف الدراسات البحثية على تطويرها، بحيث توفر نحو 25 مليون تقنية تكنولوجية بديلة عن الحيوانات.
التقدم التكنولوجي
وبينما تعتبر الرحمة والأخلاق هما العاملان الأساسيان الدافعان لتلبية النداءات بشأن تقليل الاعتماد على الحيوانات لتطوير علاجات مخبرية، إلا أنه لا يمكن إغفال عامل التطور العلمي الذي تم التوصل إليه. ففي العام الجاري ألحقت القوانين التي تحدُ من إجراء الاختبارات على الحيوانات بالبحوث المتخصصة في هذا الشأن، مما أفضى إلى التساؤل عما إذا كان هناك أي ضرورة لاختبار الأدوية. وفي هذا السياق يقول العلماء أن هناك مشكلات تواجه التطبيق على الحيوان، وهي الفارق البيولوجي بين البشر والحيوانات.
فقد تبدو طريقة عمل الأعضاء الداخلية للإنسان وللفأر متشابهة، غير أنها لا تتطابق كلياً البتة. وعندما يتعلق الأمر باكتشاف الأدوية وتطويرها فإن هذه القيود كمسألة التطابق الكلي مثلاً، تقلل عدد الأدوية المنتجة.
ولا يمكن إغفال صعوبة دراسة المؤثرات الجانبية للدواء على الحيوانات، وبالتالي فإن استخدام الحيوانات لتطوير الأدوية دون القدرة على دراسة تأثيراتها السلبية يهدر ملايين الدولارات. وحتى لو أظهرت التجارب الكيماوية للأدوية أنها آمنة وليس لها أي تأثير على الحيوانات، فإن ذلك يخول الإنسان استخدامها بنسبة 8% فقط. وهذا لا يعني أيضاً أن اختبار الحيوانات لا يجدي، فإدارة منظمة الأغذية والعقاقير الطبية الأميركية وافقت على استخدام الأدوية المُنتجة بهذه الاختبارات. وإذا نظرت إلى أي دواء في السوق حالياً فستجده قد جرب على فئران المختبرات.
ويقول الخبراء إن البديل هو في تقنية تسمى "نموذج سيليكو". وقد يوحي الاسم بأن الأمر معقد بعض الشيء، إلا أنه يساعد على رصد الكثير من ردود الفعل البيولوجية على دواء معين من الناحية التكنولوجية، وذلك وفق خوارزميات معينة مُطورة.
وفي هذا الشأن يقول أمي كليبنجر، عالم الأحياء المختص في الخوارزميات البيولوجية "التكنولوجيا المتطورة هذه يمكن أن تُستخدم بدلاً من الحيوانات خلال بحوث تطوير الأدوية، وقد أنقذت حيوانات كثيرة بفعل ذلك، إلا أن أجهزة الحاسب لن تستطيع أبداً فعل كل شيء يوفره جسم الفأر". وواحدة من أهم تلك المشكلات هي الأداء متعدد الأوجه، حيث يحاول الباحثون اكتشاف ما يمكن أن يحدث للجسد في حال تفاعله مع نوع معين من الأدوية".
بدائل ناجحة
وعلى الرغم من أن الاختبارات على الحيوانات كانت هي السبيل الوحيد للتعرف على العمليات المعقدة لهذه الأدوية، إلا أن البرامج الإلكترونية المُطورة في هذا المجال استطاعت أن تقدم بدائل عملية وناجعة، غير أن هذه التجارب لاتزال بعيدة عن الكمال المطلوب، وذلك لأن استجابة الجسم لطبيعة بعض الأدوية المُصنعة تعتبر سريعة جداً، بحيث يُصعب عزل مكونات الدواء بعضها عن بعضها الآخر، ودراستها وإدخال بياناتها في البرنامج الإلكتروني لفحصها.
من جهته يقول موكوند تشوركهاد، وهو صيدلي مخضرم: "الفكرة بسيطة، أولاً بدأنا بخلايا للكبد، بحيث استطعنا استنساخ خلايا متعددة منها ثم عرضناها للأدوية وتابعنا التغيرات الحاصلة على الخلايا خلال الأشهر اللاحقة". وتُستخدم هذه الطريقة بدلاً من استخدام الدواء مباشرة في جسم الحيوان. ويضيف تشوركهاد: "نستطيع إيجاد بيانات دقيقة جداً بناءً على هذه الطريقة". ويُشار إلى أنه من دون هذه الطريقة في العمل فإن المطلوب سيكون 1000 فأر و100 كلب.
وعلى الرغم من أن التقنية لاتزال في مراحلها الأولى، إلا أنه ثبتت نجاعتها في 50 تجربة تطوير علاجية. ويأمل الخبراء الأميركيون أن تحد هذه التقنيات من الاعتماد على الحيوانات.
علاج الزهايمر
على الرغم من بعض الصعوبات التي تعتري تقنية سيليكو، إلا أن توقعات العلماء الإيجابية حولها من شأنها أن تساهم بتطويرها. ويقول الخبراء إنه لا مجال للتخلي كلياً عن الحيوانات في مختلف مجالات البحث العلمي. وتفيد هذه التكنولوجيا في اكتشاف علاجات مرض الاضطرابات العصبية مثل الزهايمر، والذي يحتاج إلى كثير من الدراسات والأبحاث المتتابعة. ولكن الحيوانات تعتبر حالياً الحل الأمثل لإجراء التجارب على مختلف العلاجات المتعلقة بالزهايمر، وذلك لإمكانية اختبار ردة فعل الدواء جزئياً في جسم الحيوان.
