يبدو أن الاندفاع الآسيوي المحموم، أخيراً، نحو الاستثمار في الاكتشافات الفضائية قد أعاد رسم خارطة تلك النشاطات، بعدما كانت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي القطبين المهيمنين على الفضاء وحدهما.
وذكرت مجلة "ساينس أند تكنولوجي"، العلمية المتخصصة، في تقرير لها حول هذا الموضوع، أخيراً، أن الصين من جهتها سارعت بإطلاق بعثتها الفضائية "شانغ إي-3"، حاملة المسبار "جادي رابيت"، الموجه عن بعد إلى القمر، في خطوة قد تشير إلى أن رواد الفضاء الصينيين هم الذين سيكتشفون أسرار الفضاء، بدلاً من الأميركيين مستقبلاً. وبهذه الخطوة وضعت الصين لنفسها موطأ قدم في المجال الذي طالما كان حصراً على واشنطن وموسكو. ولم تكتف الصين بهذا الإنجاز، فهي تخطط لبناء محطة فضائية تسمى "تيانغ أونغ-3"، لتدور حول الأرض بحلول عام 2023.
آسيا تنشط فضائياً
والصين ليست وحدها في هذا المضمار، فالهند هي الأخرى أطلقت في نوفمبر الماضي المسبار "مانغلايان"، الخاص بكوكب المريخ، والذي من شأنه اكتشاف سطح الكوكب ومعادنه والغلاف الجوي المحيط به، فضلاً عن تجريب وسائل الاتصال الفضائية بعمق وتفحص. ويقول اجي ليلي، الباحث في معهد الدراسات الدفاعية والتحليل في دلهي :"ليست الاكتشافات المريخية فقط هي التي ستعطيك نتائج، بل العملية التعليمية بأكملها ستعطيك نوعاً من التطور".
من جهتها أعلنت حكومة كوريا الجنوبية، أخيراً، وضع خطط لإنعاش التمويل الحكومي للتطوير والأبحاث العلمية. وقدمت موعد إطلاقها مسبارها الفضائي إلى سطح القمر عن عام 2025، إلى عام 2020. كما صاغت خططاً لصنع قاعدة إطلاق للأقمار الصناعية.
ودخلت اليابان أيضاً هذا المضمار بإرسالها المركبة الفضائية "سبيس كانون"، وذلك ليستخدمها رواد الفضاء لأغراض التعدين خلال العام الحالي.
ويمكن تفسير النشاط الفضائي الآسيوي هذا بشكل جزئي بأنه نتيجة انتعاش اقتصاد دول القارة. من جهته يقول موريس جونز، محلل أخبار الفضاء من سيدني" الكثير من الدول في آسيا لها تاريخ صناعي أقصر من تاريخ أميركا وأوروبا في هذا المجال، ومع ذلك تطورت بشكل سريع جداً، فهي عازمة على إظهار القوة التي تملكها، وبالتالي فإن اقتصاداتها لا تعتبر بعد اليوم اقتصادات زراعية، فهي لديها ما يفسر اهتمامها بالعلوم والتكنولوجيا الفضائية أيضاً".
أهمية البرامج الفضائية
وتُنتج البرامج والمشاريع الفضائية حلقة نشطة من الصناعات التكنولوجية، التي يمكنها المساعدة في التعدين والاستفادة من مختلف المصادر الكونية وتعزيز الاتصالات والتقاط الصور الفضائية، بشكل يدعم الدول المتعطشة للطاقة، فضلاً عن مساعدتها في انقاذ المناطق المتضررة بفعل الكوارث الطبيعية والتنبؤ بحدوثها. وتتمثل هذه الأهمية أيضاً في انشاء برامج وطنية تركز على المشاريع العلمية للدول. وفي هذا الشأن يقول اجي ليلي، الباحث في معهد الدراسات الدفاعية والتحليل في دلهي : "إذا لم تندمج مع المجتمع العلمي بشكل فعال وتحاول البحث عن أفق جديدة فلن يكون بإمكانك أبداً تطوير علوم مفيدة وتكنولوجيا".
أما وجه المنفعة الآخر لتطوير البرامج الفضائية فيتمثل في التطبيقات العسكرية. وبالتالي فإن السباق الفضائي المحموم ما هو إلا انعكاس للتوتر السياسي بين دول القارة الآسيوية. ويمكن لهذه الدول استخدام المهام الفضائية كغطاء لتطوير واختبار أنظمة لها استعمالات عسكرية مباشرة. وخير مثال على ذلك هو وضع كوريا الشمالية عام 2010 قمراً صناعياً محملاً بصاروخ في المدار لاختبار أحد صواريخها البالستية العابرة للقارات. وبشكل أدق يمكن لتطوير الأقمار الصناعية خلق تكنولوجيا صاروخية متقدمة.
وفي سياق التنافس الفضائي العسكري لا يخفى الافتقار إلى الثقة بين أميركا والصين اللتين لا تتعاونان في مجال الفضاء. ففي عام 2011، منع مشروع قانون الميزانية وكالة "ناسا"، من التعاون مع الصين في برامجها الفضائية بسبب قلقها من سرقة الأخيرة للأفكار الأميركية ومن ملفها في حقوق الإنسان.
حمى التنافس
تُتابع الولايات المتحدة الأميركية نجاحات الصين في مجال الفضاء، فعقب إعلان الصين عن وضع المسبار "جادي رابيت" على القمر، سارعت وكالة "ناسا"، بتهنئة الصين على حساب "تويتر"، الخاص بها. وخلال أيام فقط تناقلت وسائل الإعلام الأميركية خسارة بلادها لزخم برامجها الفضائية. وفي هذا الشأن كتب مارك وايتنغتون في جريدة "يو أس إيه توداي"، إن الصين باتت على طريق وضع قدم على القمر بحلول عام 2020، مشيراً إلى أنه: "في حال تم ذلك، ولم يكن الأميركيون موجودين على القمر ليحيوا رائد الفضاء الصيني، فإن الصين بلا شك ستصبح قائد الاكتشافات الفضائية في العالم".
