تثير تكلفة علاج مرض السرطان بأنواعه المختلفة جدلاً واسعاً بين الاختصاصيين في هذا المجال، على امتداد العالم، فكما أن جميع الحروب مكلفة، كذلك هي الحرب على السرطان، الأمر الذي يدفع الباحثين لتطوير علاجات أكثر اختصاصاً في هذا الشأن تقلل الجهد والوقت. ونقلت مجلة "ايكونومست"، في تقرير لها نشرته حول هذا الموضوع، أخيراً، عن وكالة "أي أم أس"، الأميركية للأبحاث الصحية أن أكثر من 500 دواء للسرطان قد أنتجت في عام 2012 وحده، مشيرة إلى أن حجم ما تم تصنيعه في هذا المجال يعادل خمسة أضعاف أدوية مرض السكري، الذي يصنف في الفئة الثانية من حيث عدد المصابين.
تزايد العلاجات المطورة
ويرجع السبب في تزايد العلاجات المُطورة في هذا المجال إلى ثلاثة عوامل، أولها ارتفاع معدلات الطلب عليها بالمقارنة مع ارتفاع متوسط الأعمار، وبالتالي ازدياد احتمالات الإصابة بالسرطان. وبحسب منظمة الصحة العالمية فقد سُجلت 14 مليون حالة إصابة جديدة بالسرطان على امتداد العالم عام 2012. مؤكدة أن العدد سيرتفع عام 2030 إلى 22 مليون شخص.
أما العامل الثاني فهو ارتفاع أسعار علاجات السرطان وبخاصة في الولايات المتحدة، السوق الأكبر لها.
ويشير العامل الثالث إلى التوسع في البحوث العلمية في مجال السرطان، ما أفضى إلى ابتكار أدوية جديدة لعلاجه، لا سيما في ظل انخفاض تكلفة ما يُعرف علمياً بـ"التسلسل الجيني"، الذي يساعد على تتبع الطفرات الجينية لكل ورم على حدة، ما يسهم في فهم أسباب حدوث الأنواع المختلفة للسرطان، فضلاً عن تعمق فهم سبل تجنيد الجهاز المناعي للقضاء على المرض. ويقول العلماء إنه على الرغم من وجود مئات من أنواع السرطان، فإن سبب تكونهم واحد، وهو الانشطار اللانهائي للخلايا الناجم عن حدوث خلل في جينات المريض، ما يسبب تكاثر هذا الجين المعتل، وبالتالي تغيير وظائفه، أو قد يؤدي إلى اندماج كروموسومين جديدين، وبالتالي إحداث شكل جديد للجينات مغاير للسليمة منها في الجسم. وقد يكون هذا الخلل الجيني في أحيان كثيرة أمراً متوارثاً. ولا يقتصر الأمر على تكرار الطفرات في الجينات، بل يتعداه إلى تكوين الجينات المعتلة لطفرات إضافية بشكل متسارع.
أدوية أكثر اختصاصاً
وتفيد معرفة التغيرات الجينية المتسببة بحدوث أنواع معينة من السرطان في تطوير طرق جديدة، للقضاء على السرطان، عبر أدوية خاصة توجه إلى تلك الخلايا فقط. وكمثال على هذا النوع من الأدوية هو "غليفك"، الذي تم تطويره عام 2001، ليستهدف في الأساس سرطان الدم المزمن، عبر إعاقة عمل بروتيني "بي سي آر"، و"إيه بي أل"، الناتجين عن الجينات المعتلة جراء اندماج الكروموسومين9 و22. وقبل اكتشاف هذا العلاج كان ثلث الذين يُشخصون بمرض سرطان الدم يعيشون 5 سنوات فقط بعد التشخيص، بينما ارتفعت هذه النسبة بعد اكتشافه إلى 90% من عدد المرضى.
وحفز ابتكار علاج "غليفك"، آخرين إلى تطوير أدوية تستهدف أنواع معينة من السرطان، ومنها على سبيل المثال "بفايزر"، لعلاج سرطان الرئة، حيث يمنع الانقسام اللانهائي للخلايا، إضافة إلى "روشيه"، لعلاج سرطان الجلد. وفي هذا الصدد يشير الخبراء إلى أن تحديد الجينات المسؤولة عن المرض ما هي إلا البداية، فالكثير من الطفرات الجينية قد تكون أساسية في تشكل السرطان، وقد تكون في أحيان أخرى عاملاً ثانوياً. ويقول الخبراء إنه لا يزال من الضروري اكتشاف الكثير من الأسرار الأساسية في هذا المجال.
ويصب انخفاض تكلفة الكشف عن "التسلسل الجيني"، في مصلحة المرضى مباشرة، من حيث إمكانية إجراء مئات الاختبارات الجينية على الجينات المعتلة، ما يسهل الكشف عن الجين المصاب وتطوير علاج مناسب له، أو إعطاء المريض مجموعة علاجات، تستهدف أكثر من نوع من الأمراض السرطانية، كما أدى انخفاض تكلفة "التسلسل الجيني" إلى تغيير نمط التجارب المخبرية في هذا الشأن، فأصبح بالإمكان فحص 5 علاجات على خلايا مريض واحد، بدلاً من إجرائها على خمس مجموعات من المرضى، ما قلل التكلفة والوقت المبذول على هذا الصعيد.
ومما لا شك فيه أن تكلفة علاجات السرطان تشكل عائقا يقف في وجه المرضى. وعلى سبيل المثال تصل تكلفة الكورس التقليدي للعلاج من السرطان في أميركا إلى نحو 100 ألف دولار أميركي، وهو ما يجعل العلاج حكراً على الأثرياء.
