تطلعنا الدراسات العلمية حول المشروعات العملاقة على امتداد العالم على حقائق مدهشة، في مقدمتها أن هذه النوعية من المشروعات تجمعها عناصر محددة، في صدارتها تكلفتها الفلكية والجدل المثير الذي يدور حول فوائدها بالنسبة للأجيال المختلفة. ومن هنا فإن من المنطقي أن نتساءل عن مدى قدرة هذه المشروعات العملاقة على أن تفرض نفسها في المستقبل، خاصة وأنها تقتضي إرادة فولاذية في اتخاذ القرارات بشأنها.

يدور عدد كبير من هذه الدراسات حول المشروعات العملاقة التي تتصدى البرازيل للقيام بها، فهي ستستضيف كأس العالم لكرة القدم في عام 2014، وتستضيف أولمبياد عالم 2016، ومن المتوقع أن تصل تكلفة البنى الأساسية إلى 14.5 مليار دولار لكل حدث من الحدثين الكبيرين.

وتلقي الدراسات العلمية الكثير من الأضواء على المشروعات العلمية، ولكن هذه المرة في الجانب الآخر من العالم، حيث تبلغ تكلفة استضافة روسيا لأولمبياد 2014 الشتوي في سوتشي 50 مليار دولار.

وفي غضون ذلك تعتزم بريطانيا تنفيذ خط سكك حديدية فائق السرعة تقدر الزيادة في تكلفته بـ 10 مليارات دولار، حيث قفزت التكلفة من 33 مليار دولار إلى 43 مليار دولار. ثم هناك مشروعات تكنولوجيا المعلومات التي تتكبد مبالغ فلكية أيضا. ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد أن الهدر الناجم عن مشروعات تكنولوجيا المعلومات وعن تواضع الأداء في الولايات المتحدة وحدها يقدر بحوالي 55 مليار دولار سنويا.

على الرغم من هذا كله، فإن المشروعات العملاقة لم تكن في أي وقت من الأوقات أكثر رواجاً مما هي عليه الآن في دوائر صنع القرار على امتداد العالم، وتشير أحدث الدراسات العلمية إلى أن الإنفاق العالمي على المشروعات العملاقة يتراوح بين 6-9 تريليونات دولار سنويا.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من الذي يدفع الحماس لهذه المشروعات قدما على الرغم من كل الصعوبات التي تكتنف تنفيذها؟

الأسباب في هذا الصدد عديدة، فهناك العوامل المتعلقة بالإرادة الإنسانية والتصميم على مواجهة التحديات ودفع آفاق الإنجاز إلى حدودها القصوى. وهناك أيضا حرص السياسيين على تجسيد طموحات بلادهم في هذه النوعية من المشروعات. ولا ينبغي إغفال دور الإعلام في إلقاء الضوء على المشروعات العملاقة. وبالطبع لا سبيل إلى تجاهل دور رجال الأعمال واتحادات النقابات العملاقة ورجال المصارف في تحول هذه المشروعات من أحلام إلى واقع يتألق تحت الشمس.

لكن ذلك لا يمنع من رصد تطورات يحرص الباحثون على تحليلها بمزيد من الدقة. وعلى سبيل المثال، فإن الدراسات العلمية تتركز الآن على إصلاح إدارة المشروعات العملاقة لتعطي أكبر مردود ممكن، وقد تم قطع خطوات عملاقة في دراسة أسباب فشل بعض هذه المشروعات أحيانا، ومع الفهم الأفضل لهذه الأسباب، يأتي الفهم الأفضل للعلاجات.

من هنا على وجه الدقة يأتي التفاؤل بأن المشروعات العملاقة ستظل مرادفاً للإنجاز الكبير ولاستشراف المستقبل بغض النظر عن عناصر التكاليف والمعوقات.