أثار هدوء سطح كوكب الشمس، أخيرا، نتيجة تناقص أعداد البقع الشمسية، أو ما يعرف بالكلف الشمسية، مقارنة بعددها في القرن الماضي ريبة علماء الفلك، ودفعتهم إلى البحث في تداعيات هذه الظاهرة على مناخ كوكب الأرض.
وذكرت مجلة "ساينس أند تكنولوجي"، في تقرير لها نشرته حول هذا الموضوع، أخيرا، أن العلماء اكتشفوا الكلف الشمسية منذ آلاف السنين، وذلك من قبل الفلكيين الصينيين، وبواسطة التلسكوب للمرة الأولى عن طريق عالم الفلك الإيطالي غاليليو عام 1610.
وتتميز هذه البقع بدرجة حرارة منخفضة عن المناطق المحيطة بها وبنشاط مغناطيسي مكثف يمنع نقل الحرارة، مكونة مناطق ذات حرارة سطحية منخفضة.ويشير العلماء إلى أن تلك البقع تظهر في كل دورة شمسية تقريبا وهي الدورة التي تعادل 11 عاما، وتبدأ متوهجة في البداية حتى تخمد شيئا فشيئا لتختفي كليا، ثم لتبدأ بالتوهج من جديد.
بطء النشاطات الشمسية
وأظهرت صورة لسطح الشمس التقطتها وكالة "ناسا" الفضائية الأميركية بواسطة مرصدها الفلكي " سولار آند هيليوسفيك" وجود بقعة جديدة ظهرت في عام 2008. وأكد علماؤها أن الدورة الشمسية التي أطلق عليها اسم الدورة 24 فاجأتهم ببطء ظهور الكلف الشمسية فيها.
وفي هذا السياق يؤكد العلماء أن عدد البقع التي تم رصدها منذ عام 2008 أقل من نصف معدلها الذي تم رصده خلال 250 سنة مضت. ويقول الفيزيائي دوغ بيسيكر، من جمعية المحيطات والغلاف الجوي الوطنية : "إنها الدورة الأضعف للشمس في كل عمر الفضاء بالنسبة لمدة 50 عاما".
وللطاقة الكهرومغناطيسية للكلف الشمسية تأثير كبير على أشعة الشمس الفوق بنفسجية وانبعاثات الإشعاع الشمسي فضلا عن إحداثها العواصف الشمسية، التي يمكنها اعتراض الاتصالات السلكية واللاسلكية والشبكات الكهربائية على الأرض. كما لا يخفى تأثير نشاطات الكلف الشمسية على مناخ كوكب الأرض.
وكانت الدورة الشمسية 23 قد وصلت إلى ذروتها حيث سجلت ما معدله 120 بقعة شمسية في اليوم الواحد خلال شهر إبريل من عام 2000. ليتباطأ نشاطها بعدها مسجلة أدنى معدلات للكلف الشمسية فيها في ديسمبر عام 2008، الذي اعتبر نقطة بدء الدورة الحالية.
وحمل البطء المسجل في نشاط الدورة الشمسية 23 العلماء على التنبؤ بأن تكون نشاطات الدورة التالية مماثلة لها، إلا أن الرصد الأولي أظهر أن النشاطات جاءت أقل بكثير من التوقعات بشأنها. ففي السنة الأولى للدورة الشمسية، التي يتوقع فيها ارتفاع النشاطات الشمسية، لم يحص الفلكيون خلال ال266 يوما الأولى ظهور أي بقعة شمسية.
من جهته قال الفيزيائي دوغ بيسيكر إن : " ذروة التوقعات كانت 90 بقعة شمسية، إلا أنه من الواضح أنها لن تقترب حتى من هذا الرقم، فخلال العام الماضي وصل عدد البقع إلى 67 أي بنصف معدل الدورة التقليدية".
ويقول العلماء إن آخر مرة رصد فيها هذا البطء الشديد لنشاطات الشمس كان عام 1906، وذلك خلال الدورة الشمسية الـ14، حيث سجلت 64 بقعة شمسية على امتداد اليوم. ويوضح الفيزيائي أندريس مونوز جاميلون من جامعة مونتانا أن : " 3 سنوات هو التباطؤ الأطول، وهو أكثر بثلاث مرات من الدورات الثلاث السابقة في عمر الفضاء".
المجالات المغناطيسية
في سياق آخر، أشار الخبراء إلى أن مجالات الشمس المغناطيسية تغير من اتجاهها أواخر كل دورة شمسية. بينما يغير قطبا الشمس الشمالي والجنوبي اتجاههما. وخلال هذا التغيير فإن قوة المجالات المغناطيسية هذه تتدنى حتى الصفر تقريبا لتعاود الظهور بقوة لدى عودة قطبي الشمس إلى مكانهما.
ويراقب العلماء الشمس بحذر ليتأكدوا مما إذا كانت الدورة الشمسية الـ24 ستشذ عن البطء الحاصل، أخيرا، أو ما إذا كان هذا التباطؤ سيستمر إلى الدورة اللاحقة. ويقول بيسيكر : " إننا لن نعرف ذلك حتى 3 سنوات مقبلة". من جهتهم يتوقع علماء آخرون أن تكون هذه الدورة بداية عهد طويل من تباطؤ النشاطات الشمسية.
وكان العلماء قد لاحظوا عدم ظهور أي بقعة شمسية خلال الفترة التي أسموها "موندر مينيموم"، وذلك بين عامي 1650 و 1715. وسُجل خلال هذه الفترة تدني درجات حرارة الأرض بشكل حاد منذرة ببدء ما يُعرف بالعصر الجليدي في كل من أوروبا وأميركا الشمالية.
وعلى الرغم من تأثر الأرض بقلة عدد الكلف الشمسية الظاهرة على سطح الشمس، إلا أن العلماء يجدون في الاحتباس الحراري سدا منيعا يمنع دخول الأرض العصر الجليدي مجددا.
